ملا محمد مهدي النراقي
17
جامع السعادات
" ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " ( 12 ) . ومجامع الهوى هي المذكورة في قوله تعالى : " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " ( 13 ) . والأعيان التي تحصل منها هذه الأمور هي المذكورة في قوله سبحانه : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب " ( 14 ) . فهذه أعيان الدنيا ، وللعبد معها علاقتان : ( علاقة مع القلب ) : وهي حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها ، حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بها ، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا : كالرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة والحسد والحقد والغل والكبر وحب المدح والتفاخر والتكاثر . فهذه هي الدنيا الباطنة ، والظاهرة هي الأعيان المذكورة . و ( علاقة مع البدن ) : وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره ، وهذا الاشتغال عبارة عن الصناعات والحرف التي اشتغل الناس بها ، بحيث أنستهم أنفسهم وخالقهم وأغفلتهم عما خلقوا لأجله ولو عرفوا سبب الحاجة إليها واقتصروا على قدر الضرورة ، لم يستغرقهم اشتغال الدنيا والانهماك فيها ، ولما جهلوا بالدنيا وحكمتها وحظهم منها لم يقتصروا على قدر الاحتياج ، فأوقعوا أنفسهم في أشغالها ، وتتابعت هذه الأشغال واتصلت بعضها ببعض ، وتداعت إلى غير نهاية محدودة ، فغفلوا عن مقصودها ، وتاهوا في كثرة الأشغال . فإن أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وتنفتح لأجله عشرة أبواب أخر ، وهكذا يتداعى إلى غير حد محصور وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها ، ومن وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى
--> ( 12 ) النازعات ، الآية : 40 . ( 13 ) الحديد ، الآية : 20 . ( 14 ) آل عمران ، الآية : 14 .