ملا محمد مهدي النراقي
162
جامع السعادات
فهذا القسم من الحسد أشد أنواعه ، لترتب معصيته على أصله ، وأخرى على ما يصدر من آثاره المذمومة . ( 2 ) أو لا يبعثه على إظهاره بالآثار القولية والفعلية ، بل يكف ظاهره عنها ، إلا أنه بباطنه يحب زوال النعمة من دون كراهة في نفسه لهذه الحالة . ولا ريب في كونه مذموما محرما أيضا ، لأنه كسابقه بعينه ، ولا فرق إلا في أنه لا تصدر منه الآثار الفعلية والقولية الظاهرة ، فهو ليس بمظلمة بحسب الاستحلال منها ، بل معصية بينه وبين الله ، لأن الاستحلال إنما هو من الأفعال الظاهرة الصادرة من الجوارح . ( 3 ) أو لا يبعثه على الآثار الذميمة الظاهرة ، ومع ذلك يلزم قلبه كراهة ما يترشح منه طبعا من حب زوال النعمة ، حتى أنه يمقت نفسه ويقهرها على هذه الحالة التي رسخت فيها . والظاهر عدم ترتب الإثم عليه ، إذ تكون كراهته التي من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع ، فقد أدى الواجب عليه . وأصل الميل الطبيعي لا يدخل تحت الاختيار غالبا ، إذ تغير الطبع بحيث يستوي عنده المحسن والمسئ ، وعدم التفرقة بين ما يصل منهما إليه من النعمة والبلية ، ليس شريعة لكل وارد . نعم من تنور قلبه بمعرفة ربه ، وأشرقت نفسه بأضواء حبه وأنسه ، وصار مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله ، واستشعر بالارتباط الخاص الذي بين العلة والمعلول ، والاتحاد الذي بين الخالق والمخلوق ، وعلم أنه أقوى النسب والروابط ، ثم تيقن بأن الموجودات بأسرها من رشحات وجوده ، والكائنات برمتها صادرة عن فيضه وجوده ، وإن الأعيان الممكنة متساوية في ارتضاع لبان الوجود من ثدي واحدة ، والحقائق الكونية غير متفاوتة في شرب ماء الرحمة والجود من مشرع الوحدة الحقيقية - فقد ينتهي أمره إلى ألا تلتفت نفسه إلى تفاصيل أحوال العباد ، بل ينظر إلى الكل بعين واحدة ، وهي عين الرحمة ، ويرى الكل عباد الله وأفعاله ، ويراهم مسخرين له ، فلا ينظر إلى شئ بعين السخط والمساءة ، وإن ورد منه ما ورد من السوء والبلية ، لأنه لا ينظر إليه من حيث هو حتى يظهر التفاوت بل من حيث انتسابه إليه سبحانه ، والكل في الانتساب إليه سواء .