ملا محمد مهدي النراقي

12

جامع السعادات

إذ خير الأمور أوسطها ، وكلا طرفيها ذميم ، فلا تظنن مما ورد في فضيلة الجوع أن الإفراط فيه ممدوح ، فإن الأمر ليس كذلك ، بل من أسرار حكمة الشريعة أن كلما يطلب الطبع فيه طرف الإفراط بالغ الشرع في المنع عنه على وجه يتوهم الجاهل منه أن المطلوب طرف التفريط ، والعالم يدرك أن المقصود هو الوسط ، فإن الطبع إذا طلب غاية الشبع ، فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع ، حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا ، فيتقاومان ويحصل الاعتدال . ولما بلغ النبي ( ص ) : في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ، ثم علم من حال بعضهم أنه يقوم الليل كله ويصوم الدهر كله ، فنهى عنه . والأخبار الواردة في مدح العفة وفضيلتها كثيرة ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : " أفضل العبادة العفاف " . وقال الباقر ( ع ) " ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج " . وقال ( ع ) : " ما عبد الله بشئ أفضل من عفة بطن وفرج " . وقال ( ع ) : " أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج " . وفي معناها أخبار أخر . وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن الاعتدال في الأكل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا بألم الجوع ، بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه أصلا ، فإن المقصود من الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة ، وثقل الطعام يمنع العبادة ، وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها . فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر ، ليكون متشبها بالملائكة المقدسين عن ثقل الطعام وألم الجوع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى . " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " ( 9 ) . وهذا يختلف بالنسبة إلى الأشخاص والأحوال والأغذية ، والمعيار فيه ألا يأكل طعاما حتى يشتهيه ، ويرفع يده عنه وهو يشتهيه ، وينبغي ألا يكون غرضه من الأكل التلذذ ، بل حفظ القوة على تحصيل ما خلق لأجله ، فيقتصر من أنواع الطعام على خبز البر في بعض الأوقات ، وعلى خبز الشعير في بعضها ، ولو ضم إليه الأدام فيكتفي بأدام واحد في بعض الأحيان ، ولا يواظب على اللحم ، ولا يتركه بالمرة ، قال أمير المؤمنين ( ع ) : " من ترك

--> ( 9 ) الأعراف ، الآية : 30 .