ملا محمد مهدي النراقي
114
جامع السعادات
من الصدقة في العلانية " ( 27 ) . وقوله ( ع ) : " كلما فرض الله عليك ، فإعلانه أفضل من أسراره ، وكلما كان تطوعا ، فإسراره أفضل من إعلانه " . وإنما الكلام في أن الأفضل للأخذ في أخذها ، أن يأخذها سرا أو علانية . فقيل : الأفضل له أخذها ، لأنه أبقى للتعفف وستر المروة ، وأسلم لقلوب الناس وألسنتهم من الحسد وسوء الظن والغيبة ، وعون للمعطي على أسرار العمل ، وقد علمت أفضلية السر على الجهر في الاعطاء ، وأصون لنفسه عن الإذلال والإهانة ، وأخلص من شوب شركة الحضار ، فإن المستفاد من الأخبار : أن الحضار شركاء من أهدي له في الهدية . والظاهر أن الصدقة مثلها إذا كان الحضار من أهلها . قال رسول الله ( ص ) : " من أهدي له هدية وعنده قوم ، فهم شركاؤه فيها " . وقال الباقر ( ع ) : " جلساء الرجل شركاؤه في الهدية " . وقال ( ع ) : " إذا أهدي للرجل هدية من طعام ، وعنده قوم ، فهم شركاؤه في الهدية الفاكهة أو غيرها " . وقيل : الأفضل أخذها علانية ، والتحدث بها ، لتنقية الكبر والرياء ، وتلبيس الحال ، وإيجابه الإخلاص والصدق ، وإقامة منة الشكر ، وإسقاط الجاه والمنزلة ، وإظهار العبودية والمسكنة ، مع أن العارف ينبغي ألا ينظر إلا إلى الله ، والسر والعلانية في حقه واحد ، فاختلاف الحال شرك في التوحيد . والحق أن الحكم بأفضلية أحدهما على الإطلاق غير صحيح ، إذ تختلف أفضلية كل منهما باختلاف النيات ، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص . فينبغي لطالب السعادة أن يراقب نفسه ، ويلاحظ حاله ووقته ، ويرى أن أي الحالتين من السر والجهر بالنظر إليه أقرب إلى الخلوص والقربة ، وأبعد من الرياء والتلبيس وسائر الآفات ، فيختار ذلك ، ولا يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بتلبيس الطبع ومكر الشيطان . مثلا إذا كان طبعه مائلا إلى الإسرار ، ورأى أن باعث هذا الميل حفظ الجاه والمنزلة ، وخوف سقوط * ( الهامش ) * ( 27 ) صححنا أغلب هذه الأخبار المروية عن أهل البيت - عليهم السلام - في هذا المقام على ( الوافي ) : 6 / 282 ، 284 باب فضل الصدقة وباب فضل صدقة السر .