ملا محمد مهدي النراقي

101

جامع السعادات

من رضا الله وثواب الآخرة في غاية القلة والخسة ، وكيف يستعظم العاقل بذل خسيس فإن إذا أخذ في مقابله ، خطيرا باقيا . وأما استحقاره الفقير ، فلما تقدم من فضل الفقير على الغني ، فكيف يرى نفسه خيرا منه ؟ وكفى للفقير فضلا : إن الله سبحانه جعل الغني مسخرا له ، بأن يكتسب المال بالجهد والتعب ، ويسعى في حفظه ، ويسلمه إلى الفقير بقدر حاجته ، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلمه إليه . فالغني يخدم الفقير في طلب المال ، مع كون ما يحمد منه للفقير ، وكون ما يذم منه ، من تحمل المشاق وتقلد المظالم وحراسة الفضلات إلى أن يموت فتأكله الأعداء ، على الغنى . وبالجملة : العاقل ، بعد التأمل ، يعلم أن ما يعطيه قليل في مقابلة ما يأخذه ، وأن الفقير محسن إليه . قال أمير المؤمنين ( ع ) : " ومن علم أن ما صنع إنما صنع إلى نفسه ، لم يستبطئ الناس في شكرهم ، ولم يستزدهم في مودتهم ، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيت إلى نفسك ووقيت به عرضك ، واعلم أن الطالب إليك لحاجة لم يكرم وجهه عن وجهك ، فأكرم وجهك عن رده " ( 1 ) . وينبغي للمحترز عن المن والأذى أن يتواضع ويتخضع للفقير عند إعطائه ، بأن يضع الصدقة لديه ، ويمثل قائما بين يديه ، أو يبسط كفه ليأخذ الفقير ، وتكون يد الفقير هي العليا . فصل ما ينبغي للمعطي ومما ينبغي للمعطي أن يستصغر العطية ليعظم عند الله ، وإن استعظمها صغرت عند الله ، قال الصادق ( ع ) : " رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال : تصغيره ، وتستيره ، وتعجيله . فأنت إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه ، وإذا سترته تممته ، وإذا عجلته هنأته ، وإن كان غير ذلك محقته ونكدته " ( 2 ) . واستعظام العطاء غير المن والأذى ، إذ الصرف إلى عمارة المسجد ومثله يتأتى فيه الاستعظام ، ولا يتأتى فيه المن والأذى ، وأن يعطي

--> ( 1 ) صححنا الحديث على ( الوافي ) : 6 / 190 ، كتاب الزكاة ، باب 57 المعروف وفضله . ( 2 ) صححنا الحديث على ( الوافي ) : 6 / 291 ، كتاب الزكاة ، باب آداب المعروف .