الشيخ الطبرسي
844
تفسير جوامع الجامع
بَنَى أَبْرَهَةُ بنُ الصَّباحِ الأَشْرَم مَلِكُ اليَمَنِ كَنيسةً بصَنْعَاء ، وأَرادَ أن يَصْرِفَ إليها الحَاجَّ ، فَخَرَجَ رجلٌ من كنانَةَ فَقَعَدَ فيها ليلاً ، فأَغْضَبَهُ ذلكَ وأَزْمَعَ أَن يَهْدِمَ الكَعْبةَ ، فَخَرَجَ بالحَبَشَةِ ومَعَهُ فِيلٌ اسمُهُ محْمُودٌ ، وكانَ قَويَّاً عَظيماً ، وقيلَ : كانَ مَعَهُ اثنا عَشَر فيلاً غَيْرَهُ ، فلمَّا بَلَغَ المُغَمَّسَ ( 1 ) خَرَج إليهِ عبدُ المُطَّلب وقد أُخِذَ لَهُ مائِتا بَعير ، وكانَ رَجُلاً جَسيماً وَسيماً ، فقيلَ لهُ : هذا سَيِّدُ قُرَيْش ، فَأعْظَمَهُ ونَزَلَ من سريرِهِ وجَلَسَ على الأَرضِ وأَجْلَسَهُ مَعَهُ ، ثمَّ قالَ : ما حَاجَتُكَ ؟ قالَ : حاجَتي مائِتا بَعير أَصَابَتْها مقدِّمَتُكَ ، فَقَالَ لهُ : لَقَد سَقَطْتَ من عيني ، جئْتُ لأَهْدِمَ البيتَ الذي هو عزُّكُم وشَرَفُكُم وَدينُكم ، فأَلْهَاكَ عنْهُ ذَودٌ أُخِذَ لَكَ ؟ ! فَقَالَ : أنا ربُّ الإِبلِ ، وللبَيْتِ رَبٌّ سيَمْنَعُهُ ، فَرَاعَ ذلكَ أَبْرَهَةَ وأَمَرَ بِرَدِّ إبِلِهِ عليهِ ، ورَجعَ وأَتى إلى بابِ البَيْتِ فأَخَذَ بحَلقتِهِ وهو يقُولُ : لا هُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ . . . نَعُ أَهلَهُ * فامْنَعْ حِلالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ * ومِحَالُهُمْ عَدْواً مِحالَكْ إِنْ كنْتَ تارِكَهُم وكَعبَتَنَا * فَأَمْرٌ ما بَدَا لَكْ [ وقال أيضاً : ] ( 2 ) : يا ربِّ لا أرْجُو لَهُم سِوَاكا * يا رَبِّ فامْنَعْ مِنْهُم حِمَاكا فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو الْيَمن ، فقال : والله إنها لَطَيْرٌ غريبة ، ما هي ببحريَّة [ بنجديَّة ] ولا تهاميَّة . . . ( 3 ) ( أَلَمْ تَرَ ) معنَاهُ : أنَّكَ رأَيْتَ آثارَ فِعلِ اللهِ بالحَبَشَةِ الذين قَصَدوا تَخْريبَ الكَعْبَةِ ( بأَصْحَابِ الْفِيلِ ) وكانَ ذلكَ العَام الذي وُلِدَ فيه رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
--> ( 1 ) المُغَمَّسُ : موضع من مكة . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) روى قصّة أصحاب الفيل بطولها ابن إسحاق في سيرته : ص 61 - 70 .