الشيخ الطبرسي
831
تفسير جوامع الجامع
أي : فَهَيَّجْنَ في الإِغَارَةِ عَلَيهم صِيَاحاً وجَلَبَةً . وعنِ ابنِ عبَّاس : كنْتُ جَالِساً في الْحِجرِ فَجَاءني رَجُلٌ فَسَأَلني عن ( الْعَدِيَتِ ضَبْحاً ) فَفَسَّرْتُها بالخَيْلِ ، فَذَهَبَ إلى عليٍّ ( عليه السلام ) وهو تَحْتَ سِقَايَةِ زَمْزَم فَسَأَلَهُ فَذَكَرَ لَهُ ما قُلْتُ ، فَقَالَ : ادْعُهُ لي ، فَلَمَّا وَقَفْتُ على رأْسِهِ قَالَ : تُفْتي النَّاسَ بِمَا لا عِلْمَ لَكَ بهِ ؟ واللهِ إِنْ كانَتْ لأِوَّلَ غَزْوة في الإِسْلامِ - بَدْر - فَمَا كانَ مَعَنا إِلاَّ فَرَسَانِ : فَرَسٌ للزُّبيرِ ، وفَرَسٌ للمِقْدَادِ ( وَالعَدِيَتِ ضَبْحاً ) الإِبِلُ مِن عَرَفَةُ إلى المزْدَلِفَةِ ، ومِنَ المزْدَلِفَةِ إلى مِنَى ( 1 ) . فإنْ صَحَّتْ هذهِ الرِّوايةُ فَقَد استُعيرَ " الضَبْحُ " للإِبلِ ، كَمَا استُعيرَ " الباقِرُ " للإِنْسانِ ، و " الْبَقَرُ " للثُّورِ وما أَشْبَهُ ذلكَ . وقيلَ : الضَّبْحُ بمعنَى الضَبْعِ ( 2 ) ، يقَالُ : ضَبَحَتِ الإِبِلُ وضَبَعَتْ : إذا مَدَّتْ أَضْبَاعَها في السَّيْرِ . و " جَمْعٌ " : هو المزْدَلِفَةُ . إنَّها ( 3 ) نَزَلَتْ في غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ لمَّا أَوقَعَ عليٌّ ( عليه السلام ) بِهِم ، وذلكَ بَعْدَ أَن بُعِثَ عليهِم مَنْ لَمْ يُغْنِ شَيئاً ورَجَعَ ( 4 ) . وعَطَفَ قَولَهُ : ( فَأَثَرْنَ ) على الفِعْلِ الذي وُضِعَ اسْمُ الفَاعِلِ مَوضِعَهُ ، لأنَّ المعنى : واللاَّتي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ فَأغَرْنَ . والكَنُودُ : الكَفُورُ ، يعني : أنَّ الإِنسانَ كَفُورٌ لِنِعْمَةِ ربِّهِ خُصُوصاً شَدِيدُ الكُفْرانِ . ( وَإِنَّهُ عَلَى ذلِكَ ) أي : وإنَّ الإِنسانَ على كُنُودِهِ ( لَشَهِيدٌ ) يَشْهَدُ على نَفْسِهِ بالكُفْرانِ والتَّفْريطِ في شُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ يَوْمَ القيَامةِ ، وقيلَ : معنَاهُ : وإنَّ اللهَ على كُنُودِهِ
--> ( 1 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 666 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وزاد : قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي . ( 2 ) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : ج 2 ص 307 . ( 3 ) في نسخة : " الصادق ( عليه السلام ) : إنّها " . ( 4 ) رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره : ج 2 ص 434 - 439 عن أبي بصير .