الشيخ الطبرسي

793

تفسير جوامع الجامع

بدليلِ قَولِهِ : ( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّهَا ) فَجَعَلَهُ فَاعِلَ التَّزْكيةِ والتَّدْسِيَةِ ومُتَولِّيهِمَا . والتَّزْكيةُ : الإِنْمَاءُ والإِعْلاءُ بالتَّقْوى ، والتَّدْسِيَةُ : النَّقْصُ والإِخْفَاءُ بالفُجُورِ ، وأَصْلُ دَسَّى : دَسَّسَ ، كَمَا قيلَ : تَقَضَّى في " تَقَضَّضَ " . ونَكَّرَ قَولَهُ : ( وَنفْس ) لأنَّه أَرادَ نَفْساً خَاصَّةً من بينِ النُّفُوسِ ، وهي نَفْسُ آدَمَ ، كأنَّه قَالَ : وواحِدَة من النُّفُوسِ ، أو : لأنَّهُ أَرادَ كُلَّ نَفْس ، فيكُونُ مِن عَكْسِ كَلاَمِهِم الذي يَقْصِدُونَ به الإِفْرَاطَ فيما يُعْكَسُ عنْهُ ، كقَوْلِ الشَّاعرِ : قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أَنَامِلُهُ ( 1 ) فَجَاءَ بِلَفْظِ التَّقليلِ الذي يُفْهَمُ منْهُ معنَى الكَثْرَةِ ، ومنْهُ قَولُهُ تَعالى : ( رُبَّما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ) ( 2 ) ، ومعنَاهُ معنَى " كَمْ " أو أَبْلَغُ منْهُ . وجَوابُ القَسَمِ محْذُوفٌ ، وتَقديرُهُ : لَيُدَمْدِمَنَّ اللهُ عَلَيهم ، أي : على أَهلِ مكَّةَ لِتَكْذيبِهِم برَسُولِ اللهِ كَمَا دَمْدَمَ على ثَمُودَ لِتَكْذيبِهِم صَالِحاً . وأَمَّا قَولُهُ : ( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّهَا ) فَكَلامٌ تَابعٌ لِقَولِهِ : ( فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَلهَا ) على سبيلِ الاستِطْرادِ ولَيْسَ من جَوَابِ القَسَمِ في شَىْء . والبَاءُ في ( بِطَغْوَاهَا ) مِثْلُها في : كَتَبْتُ بالقَلَمِ ، والطَّغْوى من : الطُّغْيانِ ، فَصَلُوا بين الاسمِ والصِّفَةِ في : " فَعْلَى " من ثَبَاتِ الياءِ بأَن قَلَبُوا الياءَ واواً في الاسمِ وتَرَكُوا القَلْبَ في الصِّفَةِ فَقَالُوا : امرأةٌ خَزْيَاءُ وصَدْيَاءُ ، والمعنى : فَعَلَتْ ثَمُودُ التَّكْذيبَ بِطُغْيانِها ، كَمَا تَقُولُ : ظَلَمَني بِجُرْأَتِهِ علَى اللهِ ، وقيلَ : ( كَذَّبَتْ ) بِمَا أُوْعِدَتْ بهِ من العَذَابِ ذي الطَّغْوَى ( 3 ) كقَولِهِ : ( فَأُهْلِكُواْ بِالْطَّاغِيَةِ ) ( 4 ) . ( إِذْ انْبَعَثَ ) ظَرْفٌ

--> ( 1 ) وعجزه : كأنّ أثوابه مجَّت بفرصاد . لعبيد بن الأبرص الأسدي ، وفيه يظهر مقام التمدّح بشجاعته . وقد تقدّم شرح البيت في ج 1 ص 160 . ( 2 ) الحجر : 2 . ( 3 ) قاله ابن عباس وقتادة . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 605 . ( 4 ) الحاقة : 5 .