الشيخ الطبرسي

77

تفسير جوامع الجامع

( أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) في معنَى الظَّرف ، تَقديرُهُ : إلاَّ وَقتَ أَن يُؤذَنَ لكُم ( غَيْرَ نظِرِينَ ) حَالٌ من ( لاَ تَدْخُلُواْ ) وَقَعَ الاستثناءُ علَى الوقتِ والحَالِ مَعَاً ، كأنَّهُ قالَ : لا تَدخلُوا بيوتَ النَّبيِّ إلاَّ وَقْتَ الإِذْنِ ، ولا تَدخلُوها إلاَّ غَير ناظرينَ . وهؤلاء قومٌ كانُوا يتحيَّنُونَ أي : يتعرَّضُونَ طعامَ رسولِ اللهِ فيدخلُونَ ويقعدُونَ منتظرينَ لإِدراكِهِ ، والمعنى : لا تَدخلُوا يا هؤلاء المتَحيِّنونَ للطَّعام إلاَّ أَن يُؤْذَنَ لكُم إلى طعام . وإلاَّ فَلَو لَم يكنْ لهؤلاء خصُوصَاً لَمَا جازَ لأَحد أَن يدخُلَ بيوتَ النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاَّ أَن يؤذَنَ له إِذْناً خاصّاً إلى طعام فَحَسْب . و ( إنَاهُ ) إِدْراكُهُ ونُضْجُهُ ، يقالُ : أَنَى الطَّعامُ إِنىً ، وقيلَ : إنَاهُ : وَقْتُهُ ( 1 ) ، أي : غَير ناظرينَ وقْتَ الطَّعام وسَاعَةَ أكْلِهِ . ورُوي : أنَّ رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أَوْلَمَ على زينبَ بتَمر وسُوَيْق وذَبَحَ شَاةً فَأمَرَ أَنَسَاً أن يدعوَ أَصحابَهُ ، فترادفُوا أَفْواجاً ، يأكلُ فَوجٌ فيخرجُ ، ثمَّ يدخلُ فوجٌ ، إلى أن قَالَ : يا نبيَّ الله قد دعوتَ حتَّى ما أَجدُ أَحداً أدعُوهُ ، فقالَ : ارفعُوا طَعَامَكُم وتَفَرَّقَ النَّاسُ وبَقِىَ ثَلاثةُ نفر يتحدَّثُونَ فأَطَالُوا ، فَقَامَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليخرجُوا ، فَطَافَ بالحُجراتِ ورَجَعَ فإذا الثلاثةُ جلُوسٌ مكانهم ، وكان صلوات الله عليه شَديدُ الحَيَاءِ فَتَولَّى ، فَلَمَّا رَأَوْه متولِّياً خَرَجُوا ، فَرجعَ ونَزَلَتِ الآية ( 2 ) . ( مُسْتَأْنِسِينَ ) مَجرورُ عَطف على : ( نَظِرينَ ) ، أو منصُوبٌ على : ولا تدخلُوها ( مُسْتَأْنِسِينَ ) أي : يَستأْنسُ بعضُكُم ببعض لأجلِ حَديث يحدِّثُهُ به ، أو : مستأنسِينَ حديثَ أهلِ البيتِ ، واستئناسُهُ : تَسمُّعُهُ وتَوجُّسُهُ . ولا بدَّ في قوله : ( فَيَسْتَحْىِى مِنْكُمْ ) من تقديرِ مُضَاف ، أي : مِن إخْراجِكُم ، بدليلِ قولِهِ : ( وَالله لا يَسْتَحىِى مِنَ الْحَقِّ ) ومعناهُ : أنَّ إخراجَكُم حقٌّ ما ينبغي أَن يَستحيي منهُ ،

--> ( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 554 . ( 2 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 10 ص 323 باسناده عن أنس بن مالك .