الشيخ الطبرسي

765

تفسير جوامع الجامع

الإِنْسانَ ابتدَاءً من نُطْفَة ( عَلَى رَجْعِهِ ) على إِعَادَتِهِ خُصُوصاً ( لَقَادِرٌ ) لَبَيِّنُ القُدْرَةِ ، لا يَعْجِزُ عَنْهُ . ( يَوْمَ تُبْلَى الْسَّرَآئِرُ ) منْصُوبٌ ب‍ ( رَجْعِهِ ) ، وعَنْ مُجَاهِد : أنَّه على رَدِّ الماءِ إلى مَخْرَجِهِ من الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لَقَادِرُ ( 1 ) . وعلى هذا فيكُونُ الظَّرْفُ منْصُوباً بمُضْمَر ( يَوْمَ تُبْلَى الْسَّرَآئِرُ ) أي : تُخْتَبَرُ السَّرائِرُ في القُلُوبِ من العَقَائِدِ والنيَّاتِ وغَيْرِها ، وما أَسَرَّ وما أَخْفَى من الأَعمالِ ، فَيُميِّزُ بين ما طَابَ منْها وما خَبُثَ . ( فَمَا لَهُ ) أي : فما للإِنْسانِ ( مِنْ قُوَّة ) من مِنْعَة في نَفْسِهِ يَمتَنعُ ( وَلاَ نَاصِر ) يَمْنَعُهُ . ( وَالْسَّمَاءِ ذَاتِ الْرَّجْعِ ) وهو المَطَرُ ، سمِّي بالمَصْدَرِ لأنَّ اللهَ يُرْجِعُهُ وَقْتاً فَوَقْتاً . و ( الْصَّدْعِ ) ما يَتَصَدَّعُ الأَرْضُ عنْهُ من النَّباتِ . ( إِنَّهُ ) الضَّميرُ للقُرآنِ ( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) فَاصِلٌ بين الحقِّ والباطِلِ ، كَمَا قيلَ لَهُ : فُرْقَانٌ . ( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) بَلْ هو الجِدُّ لاَ هَوَادَةَ فيهِ ، فَمِنْ حقِّهِ أن يكُونَ مُعَظَّماً في القُلُوبِ مهيباً في الصُّدُورِ ، ومِنْ حقِّ قَارئِهِ وسَامِعِه أَن لاَ يَلُمَّ بهَزْل وَلَعِب ، ويُقَرِّرَ في نَفْسِهِ أنَّ إلهَهُ ورَبَّهُ جلَّ جلالُه يخَاطِبُهُ ، فَيأْمرُهُ وينْهَاهُ ، وَيَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ، فإذا مَرَّ بآيةِ الوَعْدِ تَضَرَّعَ إليهِ رَاجِياً أن يكُونَ من أَهْلِها ، وإذا مَرَّ بآيةِ الوَعيدِ تَعَوَّذَ بهِ خَائِفاً أن يكُونَ من أَهْلِها . ( إِنَّهُم يَكِيدُونَ ) يَحتَالُونَ في إيْقَاعِ المكْروهِ بكَ وبِمَنْ مَعَكَ . ( وَأَكِيدُ كَيْداً ) أُدَبِّرُ ما يَنْقُضُ كَيْدَهُم واحتِيَالَهُم مِن حيثُ يَخْفَى عليهم ، ( فَمَهِّلِ الْكَفِرِينَ ) لا تَدْعُ بِهَلاَكِهِم ولا تَستَعْجِلْ بهِ ، وارْضَ بتَدْبيرِ اللهِ فيهم و ( أَمْهِلْهُمْ ) أَرادَ التَّوكيدَ وكَرِهَ التَّكريرَ ، فَخَالَفَ بين اللَّفظَيْنِ ، ولمَّا زَادَ في التَّوكيدِ أَتَى بالمعنى وتَرَكَ اللَّفْظَ فَقَالَ : ( رُوَيداً ) أي : إِمْهَالاً يَسيراً . * * *

--> ( 1 ) تفسير مجاهد : ص 720 .