الشيخ الطبرسي
723
تفسير جوامع الجامع
( رَبِّكَ فَتَخْشَى ) لأنَّ الخَشْيَةَ لا تكُونُ إلاَّ بَعْدَ المعرفةِ : ( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ( 1 ) أي : العُلَمَاءُ بهِ . بَدَأَ في مخَاطَبَتِهِ بالاستفْهامِ الذي معنَاهُ العَرْضُ ، كما يقُولُ الرَّجُلُ لِضَيفِهِ : هلْ لكَ أَن تَنْزِلَ بنا ، وأَردفَهُ الكَلامَ الرَّقيقَ ليسْتَدْعِيَهُ بالتَّلَطُّفِ ويَسْتَنْزِلَهُ بالمُدَارَاةِ من عُتُوِّهِ ، كَمَا أُمِرَ بذلك في قَولِهِ : ( فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ) ( 2 ) . و ( الآيَة الْكُبْرَى ) قَلْبُ العَصَا حَيَّةً لأنَّها كانَتِ الأَصْلَ ، و " الآيةُ الأُخْرَى " ( 3 ) كالتَّبَعِ لَهَا ، أو : أَرادَ العَصَا واليدَ البَيضَاءَ وجَعَلَهُما واحِدَةً ، لأنَّ الثَّانيةَ كأنَّها من الأُولى لكَوْنِها تَابِعَةً لَهَا . ( فَكَذَّبَ ) بمُوسى والآيةِ ، وسَمَّاهُما : سَاحِراً وسِحْراً ( وَعَصَى ) اللهَ . ( ثُمَّ أَدْبَرَ ) لمَّا رأَى الثُّعْبَانَ مَرْعُوباً ( يَسْعَى ) في مشْيَتِهِ ، أو : أَدْبَرَ وتَولَّى عن موسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في كَيْدِهِ . ( فَحَشَرَ ) فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ( فَنَادَى ) في المَقَامِ الذي اجتَمَعوا فيهِ مَعَهُ ، أو : أَمَرَ مُنَادياً يُنادي في النَّاسِ بذلك . ( نَكَالَ الاْخِرَةِ وَالاُْولَى ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ ، كَ ( وَعْد اللهِ ) ( 4 ) ، و ( صِبْغَةُ اللهِ ) ( 5 ) ، كأنَّهُ قَالَ : نَكَّلَ اللهُ بهِ نَكَالَ الآخِرَةِ والأُولَى ، والنَّكَالُ بمعنَى التَّنْكيلِ ، كالسَّلامِ والكَلامِ ، يَعني : الإِغْراقَ في الدُّنيا والإِحْراقَ في الآخِرَةِ ، وعنِ ابنِ عبَّاس : نَكَالَ كَلِمَتَيْهِ : كَلِمَتُهُ الأُولى : ( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَه غَيْرِى ) ( 6 ) ، والأَخِيرةُ : ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ( 7 ) ، وكانَ بين الكَلِمَتَيْنِ أَربعُونَ سنَةً ، وقيلَ : عشْرُون ( 8 ) .
--> ( 1 ) فاطر : 28 . ( 2 ) طه : 44 . ( 3 ) أراد قوله تعالى : ( وَاضْمُمْ يَدكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءِ آيةً أُخْرى ) طه : 22 . ( 4 ) وردت في مواضع كثيرة من القرآن . ( 5 ) البقرة : 138 . ( 6 ) القصص : 38 . ( 7 ) تفسير ابن عباس : ص 500 . ( 8 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 696 .