الشيخ الطبرسي
711
تفسير جوامع الجامع
بالأَوتَادِ . ( وَخَلَقْنَكُمْ ) أَشْكالاً متَشَاكِلينَ ، أو : ذُكْراناً وإِنَاثاً ، أو : أَصْنَافاً ، ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أي : راحَةً وَدَعَةً لأَجْسَادِكُم ، وقيلَ : مَوْتاً ، من السَّبْتِ وهو القَطْعُ ؛ لأنَّه مقْطُوعٌ عن الحَرَكَةِ ( 1 ) ، والنَّومُ أَحَدُ المَوْتَيْنِ . والمعنى : أنَّ مَنْ خَلَقَ هذهِ الخَلائِقَ العجيبةَ الدالَّةَ على كَمَالِ القُدرةِ والحِكْمَةِ فلا وَجْهَ لإِنْكارِ قُدْرتِهِ على البَعْثِ ، ولأنَّه يؤَدِّي إلى أنَّه عابِثٌ في كلِّ ما فَعَلَهُ ، والحكيم لا يَفْعَلُ فِعْلاً عَبَثاً . ( وَجَعَلْنَا الَّليْل لِبَاساً ) يَستُرُكُم عن العُيُونِ ، وتُخْفُونَ فيه ما لا تُحِبُّونَ الاطِّلاعَ عليهِ من أُمورِكُم . ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ) أي : وَقْتَ مَعَاش ، أو : مَطْلَبَ مَعَاش تستيقظُونَ فيهِ لحَوائِجِكُم ، وتَتَصرَّفُونَ في مكَاسِبِكُم . ( سَبْعاً ) أي : سَبْعَ سَماوات ( شِدَاداً ) مُحْكَمَةٌ ، جَمْعُ شَديدَة . ( سِرَاجاً وَهَّاجاً ) وَقَّاداً مُتَلاَْلِئاً ، يعني : الشَّمسَ ، وتَوهَّجَتِ النارُ : إِذا تَلَظَّتْ . و ( الْمُعْصِرَت ) السَّحائِبُ إذا أَعْصَرَتْ ، أي : شَارَفَتْ أن تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتَمْطُرُ ، مثْلُ : أجَزَّ الزَّرْعُ أي : حانَ لهُ أَن يُجَزَّ منْهُ ، ومنْهُ : أعْصَرَتِ الجَاريةُ : إذا حَانَ أَن تَحيضَ ، وعن مُجَاهِد : المُعْصِرَاتُ : الرِّياحُ ذَوَاتُ الأَعاصِيرَ لأنَّها تُنْشِئُ السَّحابَ وَتَدُرُّ أَخْلافهُ ( 2 ) . ( مَآءً ثَجَّاجاً ) مُنْصَبّاً بكَثْرة ، يُقَالُ : ثَجَّهُ وثَجَّ بِنَفْسِهِ . وفي الحَديثِ : " أَفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ " ( 3 ) . فالعَجُّ : رَفْعُ الصَوْتِ بالتَّلبيةِ ، والثَّجُّ : صَبُّ دِمَاءِ الهَدْيِ . ( حَبّاً وَنَبَاتاً ) يعني : ما يُتَقَوَّتُ بهِ من نَحْوِ الحُنْطَة والشَّعيرِ ، وما يُعْتَلَفُ بهِ من
--> ( 1 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 6 ص 183 . ( 2 ) تفسير مجاهد : ص 694 . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 400 ، وابن حجر في التلخيص : ج 2 ص 239 مرسلاً . والعجُّ : رفع الصوت للتلبية ، والثجُّ : سيلان دماء الهَدْي .