الشيخ الطبرسي
696
تفسير جوامع الجامع
بين صِفَتَيْ الجَوْهَرَيْنِ المُتَباينَيْنِ ، ومِثْلُهُ : " كَانَ " في قَولِهِ : ( كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) ، نَحْوُ " يَكُونُ " في قَولِهِ : ( كُنْ فَيَكُونَ ) ( 1 ) . ( قَدَّرُوهَا ) صِفَةٌ ل ( قَوَارِيرَاْ ) والمعنى : أنَّهم قَدَّرُوها في أَنْفُسِهِم أن تكُونَ على مقَادِيرَ وأَشْكال على حَسَبِ شَهَواتِهِم ، فجاءَتْ كما قَدَّرُوا ، وقيلَ : إنَّ الضَّميرَ " للطَّائِفِينَ " بها عَلَيْهم ، أي : قَدَّرُوا شَرابَهَا على قَدْرِ الرَّيِّ ، وهو أَلَذُّ للشَّاربِ لكَونِهِ على قَدْرِ حاجَتِهِ ( 2 ) . وعن مُجَاهِد : لا تَغيضُ ولا تَفيضُ ( 3 ) . وقُرئَ : " قُدِّرُوها " بضَمِّ القافِ ( 4 ) ، والوَجْهُ فيهِ : أن يكُونَ من : " قَدَّرَ " منْقُولاً مِن " قَدَرَ " ، تَقُولُ : قَدَّرْتُ الشَّيءَ ، و : قَدَّرْنِيهِ فُلانٌ : إذا جَعَلَكَ قَادِراً لَهُ ، ومعنَاهُ : جُعِلُوا قَادِرينَ لَهَا كيفَ شَاءُوا على حَسَبِ ما اشْتَهَوْا . ( كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجبِيلاً ) العَرَبُ تَستطيبُ الزَّنْجَبيلَ وتَسْتَلِذُّهُ ، قَالَ الأَعشى : كَأَنَّ الْقَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ * بَاتَا بِفِيهَا وَأَرْياً مَشُورا ( 5 ) وعنِ ابن عبَّاس : كُلُّ ما ذَكَرَ اللهُ في القُرآنِ ممَّا في الجنَّةِ ليس مثْلُهُ في الدُّنيا ، ولكن سَمَّاهُ بِمَا يُعْرَفُ ( 6 ) . وسمِّيتِ العَيْنُ زَنْجبيلاً لِطَعْمِ الزَّنْجَبيلِ فيها ، يعني : أنَّها في طَعْمِهِ ولَيْسَ فيها لَذْعَةٌ ، ولكن نَقيضَ اللَّذْعِ وهو السَّلاسَةُ ، يقَالُ : شَرَابٌ سَلْسَلٌ وَسَلْسَالٌ وَسَلْسَبِيلٌ زيدَتِ الباءُ في التَّركيبِ حتَّى صَارَتِ الكلمةُ خُمَاسيةً ودَلَّتْ
--> ( 1 ) البقرة : 117 ، آل عمران : 47 و 59 ، الانعام : 73 . ( 2 ) قاله سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 367 . ( 3 ) رواه عنه الطبري في تفسيره المتقدّم . ( 4 ) قرأه ابن عباس والسلمي والشعبي ورووه عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعليٍّ ( عليه السلام ) . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 166 . ( 5 ) من قصيدة طويلة يمدح فيها هوذة بن علي الحنفي . والزنجبيل : نبات طيّب الرائحة ، والأَرْي : العسل ، والمشهور : المجموع ، انظر ديوان الأعشى : ص 87 وفيه : " كأنّ جَنِيّاً " ، و " خالط فَاهاً " بدلاً من " باتا بِفِيها " . ( 6 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 430 .