الشيخ الطبرسي
634
تفسير جوامع الجامع
المُذَابَةِ ( 1 ) . ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ) كالصُّوفِ المَصْبُوغِ أَلْواناً ، لأنَّ الجِبَالَ ( جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ . . . وَغَرابِيبُ سُودٌ ) ( 2 ) ، فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجوِّ أُشْبِهَتِ العِهْنَ المنْقُوشَ إذا طيَّرتْهُ الرِّيحُ . ( وَلاَ يَسْئلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) ولا يقُولُ لَه : كيفَ حالُكَ ، ولا يُكَلِّمُهُ ، لأنَّ كلَّ إنسان مشغُولٌ بنَفسِهِ عن غَيْرِهِ . ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أي : يَبْصُرُونَ الأَحِمَّاءَ والأَقْرباءَ فَلاَ يَخْفَوْنَ عليهم ، فلا يَمْنَعُهُم من المسَاءَلَةِ أَنَّ بعْضَهُم لا يَبْصُرُ بَعْضاً ، وإنَّما يَمْنَعُهُم التَّشَاغُلُ ، وقُرِئَ : " ولا يُسأَل " على البناءِ للمفْعُولِ ( 3 ) ، أي : لا يُقَالُ لِحَميم : أَيْنَ حَميمُكَ ؟ ولا يُطْلَبُ منه ، لأنَّهم يُبَصَّرونَهم فلا يَحتَاجُونَ إلى السُّؤالِ والطَلَبِ . وهو كَلامٌ مستَأْنَفٌ ، كأنَّه لمَّا قَالَ : ولا يَسْأَلُ حَميمٌ حميماً قيلَ : لَعلَّهُ لا يُبْصِرُهُ ، فَقيلَ : يُبَصَّرُونَهم ، ولكنَّهم لِتَشَاغُلِهِم لم يَتَمكَّنُوا من تَسَاؤُلِهِم . قُرِئَ : ( يَوْمَئذ ) بالجرِّ والفَتْحِ ( 4 ) على البناءِ للإِضَافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّن ، أي : يَتَمَنَّى ( الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ ) ذلك اليَوْمِ بإسلامِ كلِّ كَريم عليهِ من أبنائِهِ وزَوْجتِهِ وأَقْربائِهِ ( وَفَصِيلَتِهِ ) عَشيرَتِهِ الأَدْنَوْنَ الَّذين فُصِلَ عنْهم ( تُئْوِيهِ ) أي : تَضُمُّهُ انتِمَاءً إليها أو لِيَاذاً بها في النَّوائِبِ . ( يُنْجِيهِ ) عَطْفٌ على ( يَفْتَدِى ) أي : يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الافْتِدَاءُ ، وقَولُهُ : ( وَمَنْ فِي الأْرْضِ ) و ( ثُمَّ ) لاستِبْعَادِ الإِنْجَاءِ ، والمعنى : يَتَمَنَّى لَو كانَ هؤلاءِ جميعاً تَحْتَ يَدِه وبَذَلَهُمْ في فِدَاءِ نَفْسِهِ ، ثم يُنْجيهِ ذلكَ ، وهَيْهَاتُ أَن يُنْجِيهِ .
--> ( 1 ) حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 6 ص 92 . ( 2 ) فاطر : 27 . ( 3 ) هي قراءة ابن كثير برواية البزّي عنه وأبي جعفر وشيبة . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 650 . ( 4 ) وبفتح الميم قرأه الكسائي ونافع في بعض الروايات . راجع المصدر السابق .