الشيخ الطبرسي

630

تفسير جوامع الجامع

ادَّعى علينا شَيئاً لَمْ نَقُلْهُ لَقَتلْنَاهُ صَبْراً ، كَمَا يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَنْ يَتَكَذَّبُ عليهم ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بصُورتِهِ ليكُونَ أَهْوَلَ ، وَهُو أَن يؤْخَذَ بيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ ، وَخَصَّ الْيَمِينَ لأنَّ القَتَّالَ إذا أَرادَ أَن يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفَاهُ أَخَذَ بيَسَارِهِ ، وإذا أرادَ أن يُوقِعَهُ في جيدِهِ وأَن يكْفَحَهُ بالسَّيفِ أَخَذَ بيَمينِهِ ، وهو أَشَدُّ على المَصْبورِ لِنَظَرِهِ إلَى السَّيفِ ، والمعنى : ( لأَخَذْنَا ) بيَمينِهِ ( ثُمَّ لَقَطَعْنَا ) وَتينَهُ ، و ( الْوَتِين ) : نِيَاطُ القَلْبِ ، وهو حَبْلُ الوَريدِ ، إذا قُطِعَ مَاتَ صاحِبُهُ . ( فَمَا مِنْكُمْ ) الخِطَابُ للنَّاسِ ، والضَّميرُ في ( عَنْهُ ) لِرَسُولِ اللهِ ، أو : للقَتْلِ ، أي : لا تَقْدِرُونَ أن تَحْجُزُوا عنْهُ القَاتِلَ ، أو : لا تَقْدِرُونَ أن تَحجُزُوا عن ذلك وتَدفَعُوا عنْهُ ، و ( حَجِزِينَ ) صِفَةٌ ل‍ ( أَحَد ) لأنَّه في معنَى الجَمَاعَةِ ، وهو اسمٌ يَقَعُ في النَّفْي العامِّ ، ويستَوي فيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمذَكَّرُ والمؤْنَّثُ ، ومنْهُ قَولُهُ تَعالى : ( لاَ نُفَرِّق بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ ) ( 1 ) ( لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ الْنِّسَآءِ ) ( 2 ) ، و ( مِنْ أَحَد ) في موضِعِ رَفْع بأَنَّه اسمُ ( مَا ) . وقيلَ : إنَّ الخِطَابَ للمسلمينَ ( 3 ) ، وكَذلك في قَولِهِ : ( وَإنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِّنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ) والمعنى : أنَّ منْهُم نَاساً سَيكْفُرونَ بالقُرآنِ . ( وَأَنَّهُ ) الضَّميرُ للقُرآنِ ( لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكفِرِينَ ) بهِ المكَذِّبينَ لَهُ إذَا رَأَوْا ثَوابَ المصَدِّقينَ بهِ ، أو : للتَّكْذيبِ . ( و ) إنَّ القُرآنَ لليقَينِ ( حَقُّ الْيَقِينِ ) كَمَا يقَالُ : هو العَالِمُ حقُّ العَالِمِ ، والمعنى : لَعَيْنُ اليَقينِ ومَحْضُ اليَقينِ لا شُبْهَةَ ولا رَيْبَ فيهِ . ( فَسَبِّحْ ) بذِكْر ( بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) الذي يَتَضَاءَلَ كلُّ شَىْء لِعَظَمَتِهِ ؛ شُكْراً على ما أَوْحَاهُ إليكَ من القُرآنِ الكَريم . * * *

--> ( 1 ) البقرة : 285 . ( 2 ) الأحزاب : 32 . ( 3 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 4 ص 607 .