الشيخ الطبرسي

619

تفسير جوامع الجامع

وإنَّما جَاءَ مُنَكَّراً للدَلاَلةِ على أنَّه أَمرٌ مبْهَمٌ في الشِّدَّةِ ، خَارجٌ عن العَادَةِ . والعَامِلُ في ( يَوْمَ ) : ( فَلْيَأْتُواْ ) ، أو : هو على : يَوْمَ يُكْشَفُ عن سَاق يكُونُ كَيْتٌ وكَيْت ، فَحُذِفَ للتَّهويلِ والتَّنْبيهِ على أنَّ ثَمَّ مِن الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ ( وَيُدْعَوْنَ إلَى الْسُّجُودِ ) تَعْنيفاً لا تَكْليفاً ( فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) حِيلَ بينَهُم وبينَ الاستطَاعَةِ تَحسيراً لَهُم وتَنْديماً على ما فَرَطُوا فيهِ حينَ دُعُوا إلَى السُّجُودِ وَهُم سَالِمُو الأَصْلابِ والمَفَاصِلِ مُتَمكِّنُونَ . وفي الحَديثِ : " يَبقَى أَصْلابُهُم طبْقاً واحِداً " ( 1 ) أي : فَقَارَةً واحِدَةً لا تَثَنّى . ( فَذَرْنِى ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ) يَعني : القُرآنَ ، يُقَالُ : ذَرْني وإِيَّاهُ ، أي : كِلْهُ إِليَّ فإنّي سأَكْفِيكَهُ ، والمُرادُ : حَسْبِي مُجَازياً لِمَنْ يُكَذِّبُ بكِتَابي ، فَلاَ تَشْغلْ قَلْبَكَ بشَأْنِهِ . وفي الأَثَرِ : " كَمْ مِن مسْتَدْرج بالإحْسَانِ إليهِ ! وكَمْ من مغْرُور بالسَّتْرِ عليهِ ! وكَمْ من مفْتُون بحُسْنِ القَوْلِ فيه ! " ( 2 ) . سَمَّى جلَّ اسمُهُ إحْسَانَهُ وتَمْكينَهُ كَيْداً ، كَمَا سَمَّاهُ استِدْراجاً وهو الاستِنْزَالُ إلى الهَلاَكِ دَرَجَةً دَرَجَةً حتَّى يَتَورَّطَ فيهِ ، لِكَونِ ذلكَ في صُورةِ الكَيْدِ من حيثُ كانَ السَّبَبَ في الهَلاَك . وَالْمَغْرَمُ : الغَرَامَةُ ، أي : لَمْ تَطْلُبْ منْهُم علَى الهِدَايةِ والتَّعليم ( أَجْراً ) فَيثْقُلُ عَلَيْهم حَمْلُ الغَرامَاتِ في أَمْوالِهِم فَثَبَّطَهُم ذلكَ عن الإِيْمَانِ . ( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) أي : اللَّوحُ المَحْفُوظُ ( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) منْهُ ما يَحكُمُونَ بهِ ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) هو إمْهَالُهُم وتَأْخيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيهم ( وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ) يُونُسَ ( عليه السلام ) ( إِذْ نَادَى ) في بَطْنِ الحُوتِ ( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) مَمْلُوٌّ غَمّاً من :

--> ( 1 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 595 بهذا اللفظ مرسلاً . ( 2 ) المأثور عن الحسن البصري . راجع تفسيره : ج 2 ص 361 .