الشيخ الطبرسي

602

تفسير جوامع الجامع

نَحْوُ : هَتَّرى ، لأنَّ اللاَّمَ قَريبةُ المَخْرجِ من التَّاءِ . ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) أي : ثُمَّ كَرِّرِ البَصَرَ فيهنَّ متَصَفِّحاً وَمُتَتَبِّعاً هَلْ تَجِدُ عَيْباً وخَلَلاً ( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ ) أي : إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وَكَرَّرْتَ النَّظَرَ لَمْ يَرجَعْ إليكَ بَصَرُكَ بِمَا طَلَبْتُهُ من إدْرَاكِ الخَللِ ، بَل يَرْجَعُ إليكَ بالخُسُوءِ والحُسُورِ أي : بالبُعْدِ عن إصَابَةِ المُلْتَمَسِ ، كأَنّهُ طُرِدَ عن ذلكَ طَرْداً بالصَّغَارِ والقُمَاءَةِ وبالإِعْياءِ والكلاَلِ لِطُولِ التَّرديدِ ، ومعنَى التَّثنيةِ في قَولِهِ : ( كَرَّتَيْنِ ) التَّكْريرُ بكَثْرَة ، كقَولِهِم : لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ، بمعنَى : إجَابَاتٌ كثيرةٌ بَعضُها في إثْرِ بَعْض ، ونَحْوُهُ : قَولُهُم في المَثَلِ : " دُهْدُرِّينَ سَعْدُ القَيْنِ " ( 1 ) أي : باطِلاً بَعْدَ بَاطِل . ( السَّمَآء الْدُّنْيَا ) أي : القُرْبى إلَى النَّاسِ ، ومعنَاهَا : السَّماء الدُّنيا مِنْكُم ( وَلَقَدْ زَيَّنَا الْسَّمَآءَ الْدُّنْيَا ) التي اجتَمَعْتُم فيها ( بِمَصَبِيحَ ) أي : بأَيِّ مَصَابيح ؟ ! لا تُوازِيها مَصَابيحُكُم إِضَاءَةً ، يُريدُ : الكَوَاكِبَ ، ( وَجَعَلْنَهَا رُجُوماً ) لأَعْدائِكُم الشَّيَاطِينِ الَّذين يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ، وذلكَ بأَن يَنْفَصِلَ من نُورِ الكَوَاكِبِ شُهُبٌ تَنْقَضُّ لِرَمْيِهِم ، كالقَبَسِ يُؤْخَذُ من النَّارِ والنَّارُ ثَابتَةٌ ، والرُّجُومُ : جَمْعُ رَجْم ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ ، وقيلَ : معنَاهُ : وَجَعَلْنَاها ظُنُوناً ورُجُوماً بالغَيْبِ لشَيَاطينِ الإِنْسِ وَهُم المُنَجِّمُون ( 2 ) ( وَأعْتَدْنَا لَهُمْ ) بعد الإِحْراقِ بالشُّهُبِ في الدُّنْيا ( عَذَابَ ) الآخِرَةِ و ( السَّعِيرِ ) النَّارِ المُسْعَرَةِ .

--> ( 1 ) الدُهدرّين : اسم لكل باطل تعارف عند العرب ، وأصله أنّ بعض العجم كان يتجر بالدرّ ولم يكن يحسن العربية ، فإذا أراد أن يعبّر عن العشرة قال : ده ، وعن الاثنين قال : دو ، وفي بعض الأيام أراد بيع خرز فلبَّس عليهم فقال : ده دو درّين ، ففتشوا عنه فوجدوه كاذباً فيما زعم ، وضمّوا اليه سعد القين المعروف بالكذب عند العرب فصار مثلاً لكل من جمع باطلاً إلى باطل . انظر مجمع الأمثال للميداني : ج 1 ص 277 . ( 2 ) قاله محمد بن كعب . راجع تفسير القرطبي : ج 18 ص 211 .