الشيخ الطبرسي
531
تفسير جوامع الجامع
أُخْرِجَ مِن أَهلِ الكتَابِ من جزيرةِ العَرَبِ إلى الشَّامِ ، أو : هذا أوَّلُ حَشْرِهِم ، وآخرُ حَشْرِهِم حَشْرُ يَوْمِ القيامةِ لأنَّ المَحْشَرَ يكُونَ بالشَّامِ . ( مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرجُواْ ) لِشدَّةِ بأْسِهِم ، وَوَثَاقَةِ حُصُونِهِم ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِم وَعُدَّتِهِم ، ( وَظَنُّواْ ) أَنَّ حُصُونَهُم تَمْنَعُهُمُ من بأْسِ اللهِ ( فَأَتَهُمْ ) أَمْرُ ( الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ) مِنْ حيثُ لَمْ يَظُنُّوا ولَمْ يَخطرْ ببالِهِم ، وهو قَتْلُ رئيسِهِم كَعْبِ بنِ الأَشْرفِ ، وذلك ممَّا أَضْعَفَ قُلُوبَهُم وَسَلَبَها الأَمْنَ والطُمَأْنِينَةَ ( وَقَذَفَ ) فِيها ( الْرُّعْبَ ) وهو الخَوْفُ الَّذي يُرْعِبُ الصَّدْرَ أي : يَمْلَؤُهُ وقُرِئَ : ( يُخْرِبُونَ ) و " يُخَرِّبُون " ( 1 ) من الإِفْعالِ والتَّفْعيلِ ، أي : يَهْدِمُونَ بيوتَهُم من داخِل وَيخربُونَ ما يَستَحْسِنُونَهُ منْها حتَّى لا يكُونَ للمسلمينَ ، ويَخْرِبُها المسلمُونَ من خَارج ، ولمَّا عَرَّضُوا المسلمينَ للتَّخْريبِ وكانُوا السَبَبَ فيهِ ، فكأنَّهم أَمَرُوهُم بذلك وكَلَّفُوهُم إيَّاهُ ، ( فَاعْتَبِرُواْ ) يا أَهْلَ البَصَائِر بما دَبَّرَ اللهُ سبحانَهُ من أَمْرِ إخْراجِهِم ، وتَسْليطِ المؤْمنينَ عليهِم من غيرِ قِتَال . ( وَلَوْلاَْ ) أنَّهُ ( كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ ) واقتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ( لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنيَا ) بالقَتْلِ كَمَا فَعَل بإخْوانِهِم بنَي قُرَيْظَةَ ( وَلَهُمْ فِي الأْخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ) سَواءٌ أُجِلُوا أو قُتِلُوا . واللِّينَةُ : النَّخْلةُ ، وياؤُها وَاوٌ لأنَّها من : " اللَّوْنِ " ، وقيلَ : هي النَّخْلَةُ الكَريمةُ ( 2 ) ، من : " اللِّين " ، و ( مِنْ لِّينَة ) بَيانٌ لِ ( - مَا قَطَعْتُم ) وَمَحَلُّ ( مَا ) نَصْبٌ ب ( قَطَعْتُم ) كأنَّه قَالَ : أيَّ شيء قَطعْتُم ؟ وأَنَّثَ الضَّميرَ الراجِعَ إلى مَا في قَولِهِ : ( أَو تَركْتُمُوهَا ) لأنَّه في مَعْنى " اللِّينة " ، ( فَبِإذْنِ اللهِ ) فَقَطْعُها بإذْن اللهِ وأَمْرِه ، ( وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ ) وَلِيُذِلَّ اليهودَ ولِيُغِيظَهُم في قَطْعِها ، وذلك أنَّ رسُولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أَمَرَ أَن
--> ( 1 ) وهي قراءة أبي عمرو وحده . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 632 . ( 2 ) قاله سفيان . راجع التبيان : ج 9 ص 561 .