الشيخ الطبرسي
513
تفسير جوامع الجامع
ولا تَبيدُ ( وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور ) لأنَّ مَن فَرحَ بشَيْء من زَخَارفِ الدُّنْيا وَعَظُمَ قَدْرُهُ عنْدَهُ اختَالَ وافتَخَرَ بهِ وتَكَبَّرَ على النَّاس . وقُرِئ : " بِمَآ ءَاتَكُم " و " أَتَاكُم " ( 1 ) من الإِيْتَاءِ والإِتْيانِ . ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بَدَلٌ من قَولِهِ : ( كُلَّ مُخْتَال فَخُور ) ، كأنَّهُ قَالَ : لا يُحِبُّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ ويَحمِلُونَ النَّاسَ علَى البُخْلِ يُرغِّبُونَهُم فيهِ ، وذلكَ كُلُّهُ نَتيجَةُ فَرَحِهِم بزينَةِ الدُّنْيا ( وَمَنْ يَتَولَّ ) عن أَوامِر اللهِ ونَواهِيهِ ( فَإنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِىُّ ) عَنْهُ وعَنْ طاعَتِهِ ( الْحَمِيدُ ) في جَميعِ أَفْعالهِ ، وقُرئ : " فإنَّ اللهَ الغَنِيُّ " ( 2 ) . ( بالبَيِّنَتِ ) بالدَّلاَئِلِ والمُعْجِزَاتِ ، و ( الْكِتَب ) : الوَحْيُ وما يَحْتَاجُ الخَلْقُ إليهِ من الحَلاَلِ والحَرَامِ ( وَالْمِيزَان ) : العَدْلُ ، وقيلَ : هو المِيزَانُ ذُو الكفَّتيْنِ ( 3 ) ورُويَ : أنَّ جبرائيلَ ( عليه السلام ) نَزَلَ بالمِيزَانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوح وقَالَ : مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ ( 4 ) . ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) أي : خَلَقْنَاهُ وأَنْشَأْنَاهُ كَقوْلِهِ : ( وَأَنْزَلَ لَكُم مِنَ الاَنْعَمِ ثَمَنِيةَ أَزْوَج ) ( 5 ) ، وذلكَ أنَّ أَوامرَهُ تَنْزلُ من السَّماءِ إلَى الأَرضِ وأَحْكَامَهُ . وعن النَّبيِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنَّ اللهَ عزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَات من السَّماءِ إلَى الأَرْض : أَنْزَلَ الحَدِيدَ والنَّارَ والماءَ والمِلْحَ " ( 6 ) . ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) وهو القِتَالُ بهِ ( وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ ) في مَعَائِشِهِم
--> ( 1 ) قرأه أبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 626 . ( 2 ) أي بحذف " هو " وهي قراءة نافع وابن عامر ، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام . راجع المصدر السابق : ص 627 . ( 3 ) وهو قول الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 534 . ( 4 ) رواه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 480 مرسلاً . ( 5 ) الزمر : 6 . ( 6 ) رواه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 299 بسند إلى ابن عمر يرفعه .