الشيخ الطبرسي
510
تفسير جوامع الجامع
وبينَ أَن عُوتِبْنَا بهذه الآيةِ إلاَّ أرْبَعُ سنين ( 1 ) . وعن ابنِ عبَّاس : إنَّ اللهَ استَبْطَأَ قُلُوبَ المؤْمنينَ فَعَاتَبَهُم على رَأْسِ ثَلاَثِ عَشْرَة سَنَة من نُزُولِ القُرآنِ بهذهِ الآية ( 2 ) . وعن محمد بنِ كَعْب : كانَتِ الصَّحابةُ بمكَّةَ مُجْدِبينَ فَلَمَّا هاجَروا أَصَابُوا الرِّيفَ ( 3 ) والنِّعمَةَ ، فَتَغيَّروا عَمَّا كانُوا عليهِ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُم فَنَزَلَتْ ( 4 ) . والمَعْنى : ألم يَحِنْ للمؤْمنينَ أَنْ تَلِينَ قُلُوبُهُمْ وتَرِقُّ إذا ذُكِرَ اللهُ وتُلِيَ القُرآنُ عنْدَهُم ؟ أو : لِمَا يُذَكِّرُهُم اللهُ بِهِ من مَوَاعِظِهِ وَمَا نَزَّلَهُ مِنَ القُرآن ؟ وقُرئَ : ( نَزلَ ) و " نَزَّلَ " ( 5 ) بالتَّخْفيفِ والتَّشديدِ ( وَلاَ يَكُونُواْ ) عَطْفٌ على ( تَخْشَعَ ) ، وقُرِئَ : " وَلاَ تَكُونُوا " بالتاءِ ( 6 ) على الالتفَاتِ ، ويَجُوزُ أَن يكُونَ نَهْياً عن مُمَاثَلَةِ أَهلِ الكتَابِ في قَسْوَةِ القُلُوبِ ، بَعْدَ أن وُبِّخُوا ، وذلكَ أنَّ بني إسرائيلَ كانَ الحقُّ يَحُولُ بينَهُم وبينَ شَهَواتِهِم ، وإذا سَمعُوا التَّوراةَ والإِنْجيلَ خَشَعُوا للهِ وَرَقَّتْ قُلُوبُهُم ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهم الزَّمانُ غَلَبَهُم الجَفَاءُ والقَسْوَةُ ، واختَلَفُوا ، وأحْدَثُوا مَا أَحَدثُوا من التَّحْريفِ وغَيْرِه ، و ( الأَمَدُ ) : الأَجَلُ . ( اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يُحْىِ الأْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) هذا تَمثيلٌ لأِثَرِ الذِّكْرِ في القُلُوبِ ، وأنَّه يُحيِيها كَمَا يُحْيي الغَيْثُ الأَرْضَ ، أو : يُحْيِيها اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ، وَيُلَيِّنُها بَعْدَ القَسْوَةِ بالأَلْطَافِ والتَّوفيقَاتِ . ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ ) قُرِئَ بتَشْديدِ الصَّادِ بمعنى : " المتَصَدِّقين " ، وبتَخْفِيفِها ( 7 ) بمعنى : الذينَ يُصَدِّقُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ، وعَطَفَ قَولَهُ : ( وَأَقْرَضُواْ اللهَ ) على معنَى
--> ( 1 و 2 ) حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 297 . ( 3 ) الرِّيف : أرض فيها زرع وخصب ، يقال : أَرَافَت الأرضُ : أي أخصَبَتْ . ( الصحاح : مادة ريف ) . ( 4 ) أوردها القرطبي في تفسيره : ج 17 ص 250 . ( 5 ) بالتشديد قرأها ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 262 . ( 6 ) هي قراءة رويس . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 712 . ( 7 ) قرأه ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر عنه . راجع كتاب السبعة السابق .