الشيخ الطبرسي

467

تفسير جوامع الجامع

جُثَثٌ طِوَالٌ عِظَامٌ كأنَّهم أُصُولُ نَخل مُنْقَعِر عن أَماكِنِهِ ومَغَارِسِهِ ، وقيلَ : شُبِّهُوا بذلكَ لأنَّ الرِّيحَ قَطَعَتْ رؤُوسَهُم فَبَقوا أَجْسَاداً بلا رُؤُوس ( 1 ) . وذُكِّرَ صِفَةُ ( نَخْل ) علَى اللَّفْظِ ، وَلَو أُنِّثَ حَمْلاً علَى المَعنى لَجَازَ ، كَمَا قَالَ : ( أَعْجَازُ نَخْل خَاويَة ) ( 2 ) . ( أَبَشَراً مِّنَّا ) نُصِبَ بِفِعْل يُفَسِّرُهُ ( نَتَّبِعُه ) ، أَنْكَروا أَن يَتَّبعُوا مِثْلَهُم في الجنْسيَّةِ ، وقَالُوا : ( مِنَّا ) لتكُونَ المُمَاثَلَةُ أَقْوى ، وقَالُوا : ( وَحِداً ) إنْكَاراً لاَِنْ تَتَّبعَ الأُمَّةُ رَجُلاً واحِداً لَيْسَ بأَشْرفِهِم ( إنَّا إذاً لَفِي ضَلَل ) كأنَّه قَالَ لَهُم : إنْ لَمْ تتَّبعُوني كُنْتُم في ضَلاَل عن الحقِّ ( وَسُعُر ) أي : ونيران ، جَمْعُ سَعير ، فَعَكَسُوا عليهِ فَقَالُوا : إنِ اتَّبعْنَاكَ كُنَّا إذاً كَمَا تَقُولُ ، وقيلَ : الضَّلاَلُ : الخَطَأُ والبُعْدُ عن الصَّوابِ ، والسُّعُرُ : الجُنُون ( 3 ) . ( أَءُلْقِيَ الْذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا ) أي : أَأُنْزِلَ عليهِ الوَحْيُ مِنْ بينِنَا وَفِينا مَن هو أَحقُّ منْهُ بالاختيارِ للنُّبوَّةِ ؟ ! ( بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) بَطِرٌ مُتَكَبِّرٌ ، يُريدُ أَنْ يَتَعَظَّمَ علينا بادِّعاءِ النُبوَّةِ . ( سَيَعْلَمُونَ غَداً ) عِنْدَ نُزُولِ العَذَابِ بِهِم ، أو : يَوْمَ القيامةِ ( مَنِ الْكَّذابُ الأَشِر ) أَصَالِحٌ أَمَّنْ كَذَّبَهُ ؟ ( إِنَّا مُرْسِلُواْ الْنَّاقَةِ ) أي : بَاعِثُوها ومُخْرِجُوها من الهَضَبةِ كَمَا سَأَلُوا ( فِتْنَةً لَّهُمْ ) وامتِحَاناً وابتِلاءً ( فَارْتَقِبْهُمْ ) فانْتَظِرْهُم وَتَبَصَّرْ ما هُم صَانِعُونَ ( وَاصْطَبِرْ ) على ما يُصيبُكَ من أَذَاهُم ، ولا تَعْجَلْ حتَّى يأْتيَكَ أَمْري . ( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ ) مَقسُومٌ بَيْنَهُم ، لَها شِرْبُ يَوْم ولَهُم شِرْبُ يَوْم ، وَقَالَ : ( بَيْنَهُمْ ) تَغْليباً للعُقَلاَءِ ( كُلُّ شِرْب مُّحْتَضَرٌ ) مَحْضُورٌ يَحْضُرُهُ أَهْلُهُ لا يَحْضُرُهُ الآخَرُ مَعَهُ ، وقيلَ : يَحْضُرُونَ الماءَ في نَوبَتِهِم واللَّبَنَ في نَوْبَتِهَا ( 4 ) . ( فَنَادَوْاْ صَاحِبِهُمْ ) قَدَارُ بنُ سَالِف

--> ( 1 ) قاله مجاهد . راجع إعراب القرآن للنحّاس : ج 4 ص 292 . ( 2 ) الحاقة : 7 . ( 3 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 5 ص 89 . ( 4 ) قاله مجاهد في تفسيره : ص 635 .