الشيخ الطبرسي
432
تفسير جوامع الجامع
( قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ) أي : قَالَ في نَفْسِهِ : هؤلاءِ قَومٌ لا نَعْرفُهُم . ( فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ ) فَذَهَبَ إليهِم في خُفْية من ضُيُوفِهِ ، ومن أدَبِ المضَيِّفِ أن يُخْفي أَمرَهُ ، وأَن يُبَادرَهُ بِالْقِرى من غَيْرِ أن يَشْعُرَ بهِ الضَّيْفُ حَذَراً من أن يَكُفَّهُ ، وعن قَتَادَةَ : كانَ عامَّةُ مَالِ نبيِّ اللهِ إبراهيمَ البَقَر ( فَجَاءَ بِعِجْل ) ( 1 ) . والهَمْزةُ في ( أَلاَ تَأْكُلُونَ ) للإِنْكارِ ، أَنْكَرَ عليهم تَرْكَ الأَكْلِ أو : حَثَّهُم عليهِ . ( فَأَوْجَسَ ) فَأَضْمَرَ . وعن ابنِ عبَّاس : وَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهم ملائكةٌ أُرْسِلُوا للعَذَابِ ( 2 ) ( وَبَشَّرُوهُ بِغُلَم عَلِيم ) يكُونُ عَالِمَاً نبيّاً وهو إسحاقُ ، وعن مجاهد : هو إسماعيلُ ( 3 ) . ( فِي صَرَّة ) في صَيْحَة ، من : صَرَّ الجُنْدُبُ ، وصَرَّ القَلَمُ والبَابُ ، وهو في محلِّ الحالِ ، أي : جاءَتْ صَارَّةً ، وعن الحَسَنِ : أَقْبَلَتْ إلى بيتِها وكانَتْ في زَاويَة تَنْظُرُ إليهِم ، لأنَّها وَجَدَتْ حَرارَةَ الدَّمِ فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا من الحَيَاءِ ( 4 ) ، وقيلَ : فَضَرَبَتْ بأَطْرافِ أَصَابِعِها جَبْهَتَهَا فِعْل المتَعَجِّبِ ( 5 ) ( وَقَالَتْ عَجُوزٌ ) أي : أَنا عَجُوزٌ ( عَقِيمٌ ) فَكَيفَ أَلِدُ ؟ ! قَالُوا : ( كَذلِكَ ) مِثْلُ ذلكَ الذي قُلْنَا وأَخْبَرْنَا بهِ ( قَالَ رَبُّكِ ) أي : إنَّما نُخْبِرُكِ عن أَمْرِ اللهِ ، واللهُ قَادِرٌ على ما تَستَبْعِدِينَ . ولمَّا عَلِمَ إبراهيمُ أنَّهم رُسُلُ اللهِ ( قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ) أي : فَمَا شَأْنُكُم وما طَلَبُكُم ؟ سمَّاهُمْ : " مُسْرِفِينَ " كَمَا سمَّاهُم " عَادِينَ " لإِسْرافِهِم في الفَواحِشِ وعَدَواتِهِم فيها . ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا ) أي : في قُرَى قَوْمِ لُوط ، ولَمْ يَجْرِ لها ذِكْرٌ لكَوْنِها معْلومةً ، وفيه دليلٌ على أنَّ الإِيمانَ والإِسلامَ في الحقيقةِ واحِدٌ ، وأنَّهما صِفَتَا
--> ( 1 ) حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 5 ص 370 . ( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 402 . ( 3 ) تفسير مجاهد : ص 619 . ( 4 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 402 . ( 5 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 442 .