الشيخ الطبرسي
415
تفسير جوامع الجامع
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ ) يُريدُ : قُرْبَ عِلْمِهِ منْهُ وتَعَلُّقَهُ بالأَحْوالِ حتَّى لا يَخْفى عليهِ شيءٌ منْها ، فكأَنَّ ذاتَهُ قَريبةٌ منْهُ ( وَحَبْل الْوَرِيدِ ) مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ ، كَمَا قَالُوا : هو مِنِّي مَعْقَدُ العِذَارِ ، والحَبْلُ : العِرْقُ ، والوَريدَانِ : عرْقَانِ مكتنفانِ بِصَفْحَتَي العُنُقِ في مقَدَّمِها يتَّصِلاَنِ بالوَتِينِ يردَانِ من الرأْسِ إليه . ( إذْ ) منْصُوبٌ ب ( أَقْرَب ) والمَعنى : أنَّه سبحانَهُ يعلَمُ خَطَراتِ النَّفْسِ وهو أَقْربُ إلَى الإِنسانِ من كلِّ قَريب حينَ ( يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ) أي : الْمَكَانِ الحافِظَانِ يأْخُذَانِ ما يَتَلَفَّظُ بهِ ، وهذا إِيذَانٌ باستغنائِهِ عزَّ اسمُه عن استِحْفَاظِ المَلَكَيْنِ ، إذْ هو مطَّلِعٌ على أَخْفَى الخَفِيَّاتِ ، وإنَّما ذلك لِحكْمَة تَقْتَضِيه ، وهي ما في ذلكَ من زيادةِ اللُّطْفِ في انتهاءِ العِبَادِ عن القَبَائحِ والرَّغْبةِ في العبَاداتِ ، والتَلَقِّي : التَّلَقُّنُ ، والقَعِيدُ : القَاعِدُ كالجَليسِ ، وتَقْديرُهُ : عن اليمينِ قَعيدٌ وعن الشِّمالِ قَعيدٌ من المُتَلقِّيَيْنِ ، فَتركَ أَحَدهُمَا لدلالةِ الثاني عليهِ ، كقَولِ الشَّاعرِ : رَمَاني بأَمْر كُنْتُ منْهُ وَوَالِدِي * بَرِيّاً ومن جُولِ الطَّوِيِّ رَمَاني ( 1 ) ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ ) مَلَكٌ يَرقُبُ عَمَلَهُ ( عَتِيدٌ ) حاضِرٌ مَعَه . وعن النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كاتِبُ الحَسَنَاتِ على يمينِ الرَّجُلِ ، وكاتِبُ السيِّئاتِ على يَسَارِهِ ، وصاحِبُ اليمينِ أَميرٌ على صاحِبِ الشِّمالِ ، فإذا عَملَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكٌ اليمينِ عَشْراً ، وإذا عَملَ سيِّئةً قَالَ صاحِبُ اليمينِ لِصَاحِبِ الشِّمالِ : دَعْهُ سَبْع سَاعَات لَعلَّهُ يُسبِّحُ أو يَستَغْفِر " ( 2 ) .
--> ( 1 ) البيت لابن أحمر ، وقيل : للأزرق بن طرفة الفراصيّ ، يقول : رماني بأمر عاد إليه قبحه لأنَّ الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه . أُنظر لسان العرب : مادة " جول " . ( 2 ) أخرجه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 223 عن أبي أُمامة .