الشيخ الطبرسي
400
تفسير جوامع الجامع
امتُحِنَ فلانٌ لأَمْرِ كذا وجُرِّبَ فهو مضْطَلِعٌ بِهِ غَيْرُ مُقَصِّر فيه ، أو : وُضِعَ الامتحانُ موضِعَ المعرفةِ ؛ لأنَّ الشيء إنَّما يتحقَّقُ بالاختبارِ ، فكأنَّه قَالَ : عَرَّفَ اللهُ قُلُوبَهُم للتَّقْوى ، ويكونُ اللاَّمُ متَعلِّقةً بمحذُوف كَمَا في قولِكَ : أَنْتَ لهذا الأَمْرِ ، أي : كائِن لَهُ ومختَصٌّ بِهِ ، قَالَ : أَعَدَّاءُ مَنْ لِلْيَعْمُلاتِ عَلَى الْوَجَى ( 1 ) وهي مَعَ معمُولِها في موضِعِ الحالِ . ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَآءِ الْحُجُرَتِ ) مِنْ خَلفِها وقُدَّامِها ، و " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ ، وإنَّ النِّداءَ إنْشَاءٌ من ذلك المكانِ ، والحُجْرةُ : البُقْعَةُ من الأَرضِ المحجُورةِ بحَائط يَحُوطُ عليها ، وهي فُعلَةٌ بمعنى مفْعُولَة كالغُرفَةِ والقُبْضَةِ . والمُرادُ حُجُراتُ نساءِ رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ورُويَ : أنَّ وفْدَ بني تَميم أَتَوْا رسولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وَقْتَ الظَّهيرةِ وهو راقِدٌ فَنَادَوْهُ : يا محمد ، اخرُجْ إلينا ! فاستيقَظَ فَخَرَجَ ، فَنَزَلَت ( 2 ) . ( أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) سَجَّلَ عليهِم بالسَّفَهِ والجَهْلِ لِمَا أَقْدَمُوا عليهِ . ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ ) في مَحَلِّ رَفْع على الفاعليَّةِ ، لأنَّ المعنى : وَلَو ثَبُتَ صَبْرُهُم ، والصَّبْرُ : حَبْسُ النَّفسِ عن أَن تُنازعَ إلى هَواهَا ، وَقَولُهُم : " صَبَروا عن كَذَا " حُذِفَ منْهُ المفعولُ وهو النَّفْسُ ، وهو حَبْسٌ فيه شدَّةٌ على المحبُوسِ ، ولذلك قيلَ للحَبْسِ على اليَمينِ أو القَتْلِ : صَبْرُ ، والفَائِدةُ في قَولِهِ : ( إِليهِم ) أنَّه لَوْ خَرَجَ ولَمْ يكُنْ خُرُوجُهُ لأَجْلِهِم
--> ( 1 ) وعجزه : وأضياف بيت بيتوا لنزولِ . لعتبة بن مالك العقيلي يرثي عدَّاءَ صاحبه ويصفه بأنّه كان معدّاً لإغاثة المطايا الكثيرات العمل ، ولأضياف بيته الذين كانوا يبيتون عنده لطلب الاستراحة . انظر شرح شواهد الكشّاف للأفندي : ص 188 . ( 2 ) أخرجه الواحدي في أسباب النزول : ص 330 ح 805 عن جابر بن عبد الله . وفيه عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيِّران أن يهلكا : أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين قدم عليه ركبٌ من بني تميم ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر برجل آخر فارتفعت أصواتهما في ذلك فنزلت .