الشيخ الطبرسي

366

تفسير جوامع الجامع

زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتاهُمْ تَقْوَلهُمْ ( 17 ) فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ( 19 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذ آ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( 20 ) ) قَولُهُ : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ . . . كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ ) كَلامٌ في صُورةِ الإِثْباتِ ، والمعنى : النَّفْيُ والإِنْكارُ ؛ لانطوائِهِ تحتَ كلام مُصَدَّر بحَرْفِ الإِنْكارِ ودخُولِهِ في حيِّزِهِ ، وهو قَولُهُ : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّه كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) فكأَنَّه قَالَ : أَمَثَلُ الجنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خَالِدٌ في النَّارِ ، وفي تَعْريتِهِ من حَرفِ الإِنْكارِ زيادةُ تَصوير لمُكَابرةِ مَنْ يُسَوِّي بين المتمسِّكِ بالبيِّنةِ والمتَّبِعِ لِهَوَاهُ ، وأنَّه بمنزلةِ مَن يسوِّي بين الجنَّةِ التي فيها تلك الأنْهارِ وبين النَّارِ التي يُسْقَى أَهلُها الحَميمُ ، ونَظيرُهُ قَولُ القائلِ : أَفْرَحُ أَنْ ارْزَأَ الكِرامَ وَأَنْ * أُوْرَثَ ذُوْداً شَصَائِصاً نُبَلاَ ( 1 ) فإنَّه إِنْكارٌ للفَرَحِ بِرزْئةِ الكِرَامِ ووراثةِ الذُودِ مَعَ تَعرِّي الكلامِ عن حَرْفِ الإِنْكارِ ، لانْطوائِهِ تحتَ حُكْم قَوْلِ مَن قَالَ لَهُ : أَتَفْرحُ بمَوْتِ أخيكَ وبورَاثةِ إِبِلِهِ ؟ فَكأنَّهُ قَالَ : أَمِثْلي يَفْرحُ بذلك ! وهو من التَّسليمِ الذي تَحتَهُ كلُّ إنْكارِ ، و ( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) صِفَةٌ الجنَّةِ العجيبةِ الشَّأْنِ ، وهو مبتدأٌ وخَبَرُهُ ( كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ ) ، وقَولُهُ : ( فِيهَا أَنْهَرٌ ) داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ كالتَّكريرِ لَهَا . ويجوزُ أَن يكُونَ في محلِّ

--> ( 1 ) البيت منسوب لحضرمي بن عامر من أبيات يخاطب بها جَزْءَ بن سنان حين اتّهمه بفرحه وسروره بأخذ دية أخيه القتيل . راجع شرح شواهد الكشّاف للأفندي : ص 271 .