الشيخ الطبرسي
357
تفسير جوامع الجامع
( بِقَدِر ) محلُّهُ الرَّفْع لأنَّه خَبَرُ ( أنَّ ) وإنَّما دَخَلَتِ الباءُ لاشتمالِ النَفْي في أوَّلِ الآيةِ على " أنَّ " وما في حيِّزِها ، كأنَّه قَالَ : أليسَ اللهُ بقَادر ؟ أَلاَ تَرى أنَّ ( بَلَى ) مقَرِّرةٌ لكونِهِ سبحانَهُ قادراً على كلِّ شيء لا لرؤيتِهِم ؟ وقُرئ : " يَقْدِر " ( 1 ) . ( وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ ) يقال : عَيِيَ فُلانٌ بأَمْرِهِ : إذا لَمْ يهتَدِ لَهُ ولَمْ يعرفْ وجهَهُ ، ومنْهُ ( أفَعَيِيْنَا بِالْخَلْقِ الاَْوَّلِ ) ( 2 ) . ( أَلَيْسَ هذَا بِالْحَقِّ ) محْكَيٌّ بعد قَول مُضْمَر ، وهذا المضْمَرُ هو النَّاصِبُ للظَّرفِ ، وَ ( هَذَا ) إشارةٌ إلى العذاب بدلالةِ قَولِهِ : ( فَذُوقُواْ الْعَذَابَ ) وهو تَوبيخٌ لَهُم علَى استهزائِهِم بوعْدِ اللهِ ووعيدِهِ . ( أُوْلُواْ الْعَزْمِ ) أُولو الجِدِّ والثَّباتِ والصَّبْرِ ، قيلَ : إنَّ " مِنَ " للتَّبيينِ ( 3 ) ، والمُرادُ : جَميعُ الرُّسُلِ ، والأَظْهرُ أنَّ " مِنَ " للتبَّعيضِ ، وأُولو العَزْمِ منَ الرُّسُلِ : مَنْ أَتى بشَريعة مستأْنَفَة نَسَخَتْ شَريعةَ مَن تَقَدَّمَهُ ، وَهُم خَمسةٌ : نُوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ صلّى الله عليه وآله وعليهم أَجمعين ( وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَّهُمُ ) الْعَذَابَ ، أي : لا تَدْعُ لَهُم بتَعْجيلِهِ فإنَّه نَازِلٌ بِهِم لا مَحَالةَ وإنْ تَأَخَّر ، وإنَّهم مستَقْصِرُونَ حينئذ مدَّة لَبْثِهِم في الدُّنيا حتَّى يَحْسبُوها ( سَاعَةً مِنْ نَّهَار ) ، و ( بَلَغٌ ) أي : هذا بَلاَغٌ ، والمعنى : هذا القُرآنُ بما فيهِ من البيانِ كفَايةٌ ، أو : هذا تَبليغٌ من الرسُولِ ( فَهَلْ يُهلَكُ إِلاَّ القَوْمُ ) الخَارجُونَ من أَمْرِ اللهِ تعالى ، المتمرِّدُونَ في الفِسْقِ والمَعَاصِي ؟ وعن الزجَّاجِ : ما جَاءَ في رَحْمةِ اللهِ شَيءٌ أَبْلَغُ مِنْ هذِهِ الآية ( 4 ) . * * *
--> ( 1 ) وهي قراءة يعقوب . راجع التبيان : ج 9 ص 285 . ( 2 ) ق : 15 . ( 3 ) أُنظر الكشّاف : ج 4 ص 313 . ( 4 ) معاني القرآن وإعرابه : ج 4 ص 448 .