الشيخ الطبرسي

324

تفسير جوامع الجامع

( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَونَ ) مَعْنَى الفِتْنَةِ : أنَّه أَمْهَلَهُم وَوَسَّعَ عليهِم الرِّزْقَ ، وكانَ ذلك سَبَبَاً لانْهِمَاكِهِم في المَعَاصي ، وابتَلاَهُم بإرْسالِ موسى إليهِم ليؤْمنُوا ، فاختَارُوا الكُفْرَ علَى الإِيمانِ ( وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) على اللهِ ، أو : كَريمُ الأخْلاقِ والأفْعالِ . ( أَنْ أدُّواْ ) هي " أن " المفسِّرَةُ ، لأنَّه لا يَجيءُ الرسُولُ قَومَهَ إلاَّ مبشِّراً ونَذيراً ، فَيَتَضمَّنُ معنَى القَوْلِ ، وهي مخفّفَةٌ من الثَّقيلةِ أي : جاءَهُم بأنَّ الشَأْنَ والحَديثَ أَدُّوا إِلَيَّ ، و ( عِبَادَ اللهِ ) مفعُولٌ بِهِ وهم بنُو إسرائيلَ ، أي : أدُّوهُم إليَّ وأَرْسِلُوهُم مَعي ، أو : أدُّوا إليَّ يا عِبَادَ اللهِ ما يَجبُ عليكُم من الإِيمانِ بي وَقَبُولِ دَعْوتي ، وعَلَّلَ ذلك بأَنَّه ( رَسُولٌ أَمِينٌ ) قد ائتَمَنَهُ الله على وَحْيِهِ ورسالتِهِ . ( وَأَنْ لاَّ تَعْلُواْ ) : " أنْ " هذهِ مثلُ الأُولى ، أي : لا تَستَكبِرُوا على اللهِ بالاستهانةِ برسُولِهِ وَوَحْيِهِ . وقُرِئ : " عُتُّ " بالإِدْغامِ ( 1 ) ومعنَاهُ : أنَّه عَائِذٌ برَبِّهِ ، معتَصِمٌ بِهِ من كَيْدِهِم ، فَلاَ يَكْتَرِثُ بتَهَدُّدِهِم بالقَتْلِ والرَّجْمِ . ( فَاعْتَزِلُونِ ) يُريدُ : ( إِنْ لَّمْ تُؤْمِنُواْ بِى ) فَتَنَحَّواْ عنِّي واقطعُوا أَسْبابَ الوصْلَةِ بيني وبينَكُم ، أو : فَخَلُّوني كَفَافاً لاَ عليَّ ولاَ لِي ، ولا تَتَعرَّضُوا لي بِشِرْكِكُم وأَذَاكُم ، فلَيْسَ جَزَاءُ مَن دَعَاكُم إلى ما فيهِ صَلاَحكُم وفَلاَحكُم ذلكَ . ( فَدَعَا رَبُّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّت وَعُيُون ( 25 ) وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم ( 26 ) وَنَعْمَة كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ ( 27 ) كَذَا لِكَ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ( 28 ) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ

--> ( 1 ) قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع برواية إسماعيل بن جعفر . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 570 .