الشيخ الطبرسي

304

تفسير جوامع الجامع

فَأَعْلَمَ أنَّهُم عاجِزُونَ عن تَدبيرِ مصالِحِهم في دُنْياهُم ، وأنَّه سبحانَهُ قَسَمَ بينَهُم معيشَتَهُم وقَدَّرَها ، وفَضَّلَ بعضَهُم على بعض فيهَا فَجَعَلَ منْهُم أَغْنيَاءَ ومَحَاويجَ ، وأَقْويَاءَ وضُعَفَاءَ ، ليَسْتَخْدِمَ ( بَعْضُهُم بَعْضاً ) وليُسَخِّرُوهُم في أَشْغالِهِم حتَّى يصلُوا إلى منافِعِهِم ، ولَمْ يُولِّهِم ذلك التَّدبيرَ ولَمْ يَفوِّضْهُ إليهم مع قلَّةِ خَطَرِهِ ، فكيفَ يكُونُ اختيارُ النبوَّةِ إليهِم مَعَ جلالةِ قَدْرِها وعِظَمِ خَطَرِها وكَونُها رحمةَ اللهِ الكبرى ؟ ثمَّ قَالَ : ( وَرَحْمت رَبِّكَ ) يُريدُ : وهذهِ الرَّحمةُ التي هِيَ دينُ اللهِ وما يَتْبَعُهُ من الفَوز والثَّوابِ ( خَيْرٌ مِّمَّا ) يَجْمَعُ هؤلاءِ من حُطَامِ الدُّنْيا . ثمَّ أَخْبَرَ سبحانَهُ عن هَوانِ الدُّنيا وقلَّةِ خَطَرِها عنْدَهُ فَقَالَ : ( وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وحِدَةً ) أي : لَولاَ كَراهَةُ أَن يجتَمِعُوا على الكُفْرِ ( لَجَعَلْنَا ) للكُفَّارِ سُقُوفاً ومَصَاعِدَ ، و ( أَبْوَباً وَسُرُراً ) من فِضّة ( وَ ) جَعَلْنَا لَهُم ( زُخْرُفاً ) أي : زينةً من كلِّ شيء ، والزُّخْرُفُ : الذَّهَبُ والزِّينةُ . ويجوزُ أَن يكُونَ الأَصْلُ : " سُقُفاً من فضَّة وزُخْرُف " يعني : بَعضُها من فضَّة وبَعضُها من ذَهَب ، فَنُصِبَ ( زُخْرُفاً ) عَطْفاً على محلِّ ( مِن فِضَّة ) . وقَولُهُ : ( لِبُيُوتِهِمْ ) بَدَلُ اشتِمَال من قَولِهِ : ( لِمَن يَكْفُرُ ) وقُرئ : " سَقْفاً " بفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القَافِ ( 1 ) ، و ( سُقُفاً ) بضَمِّهما ، جَمْعُ سَقْف ك‍ " رَهْن " و " رُهُن " ، و ( مَعَارِجَ ) جَمْعُ مِعْرَج ، أو : اسمُ جَمْع لِمِعْرَاج وهي المَصَاعِدُ إلى العَلالي ، ( عَلَيْهَا يَظْهُرونَ ) أي : على المَعَارجِ ، يَظهرونَ السُّطوحَ : يَعلونَها كَمَا في قَولِهِ : ( فَمَا اسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ ) ( 2 ) وقُرِئ ( لَمَّا ) بالتَّخْفِيف ( 3 ) والتَّشديدِ ، فالتَّخفيفُ على أنَّ اللاَّمَ هي المفارقةُ بين النَّفْي والإِثْباتِ ، و ( إِنْ )

--> ( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 585 . ( 2 ) الكهف : 97 . ( 3 ) قرأه نافع وابن كثير والكسائي وأبو عمرو وابن عامر برواية ابن ذكوان . راجع كتاب السبعة : ص 586 .