الشيخ الطبرسي
302
تفسير جوامع الجامع
( بَرَآءٌ ) يَستَوي فيهِ الواحدُ والاثْنانِ والجَمَاعةُ ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ ؛ لأنَّه مصْدَرٌ ، يقَالُ : نَحنُ البَرَاءُ منْكَ والخَلاَءُ منْكَ . ( الَّذِي فَطَرَنِى ) يجوزُ أَنْ يكُونَ منصُوباً على أنَّه استثناءٌ منْقَطِعٌ ، كأنَّه قَالَ : لكن الذي فَطَرني وأَنْشَأَني فإنَّه ( سَيَهْدِينِ ) ، وأَنْ يكُونَ مجروراً بَدَلاً من المجرُورِ ب " مِن " كأنَّه قَالَ : إنِّي بَراءٌ ممَّا تَعبُدُونَ إلاَّ مِنَ الَّذي فَطَرني . وعن قتَادةَ : كانُوا يقولُونَ : الله ربُّنا مَعَ عبادتِهِم الأَصنَام ( 1 ) ، ويجوزُ أَن يكُونَ " مَا " موصُوفةً في ( مَا تَعْبُدُونَ ) ، و ( إلاَّ ) صِفَةً بمعنى " غير " ، ويكونُ التَّقديرُ : إنَّني بَرَاءٌ من آلهة تَعبُدُونها غير الَّذي فَطَرني . ( وَجَعَلَهَا ) أي : جَعَلَ إبراهيمُ كَلِمَةَ التَّوحيدِ التي تَكلَّمَ بِها ( كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبهِ ) في ذريتِهِ ، فلا يَزَالُ فيهِم مَن يُوَحِّدُ اللهَ ويَدعُو إلى تَوحيدِهِ ، وقيلَ : وجَعَلَها اللهُ ( 2 ) . وعن الصَّادقِ ( عليه السلام ) : " الكلِمَةُ الباقيةُ في عَقِبِهِ هي الإِمامةُ إلى يَومِ القيَامة " ( 3 ) . وعن السُّدِّي : هُم آلُ محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 4 ) . ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) لَعَلَّ مَنْ أَشْرَكَ منْهُم يَرجِعُ بدُعاءِ مَن وَحَّدَ منْهُم . ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاَءِ ) يعني : أهلَ مكَّةَ وهُم من عَقِبِ إبراهيمَ بالمدِّ في العُمُرِ والنِّعمةِ ، فَاغتَرُّوا بالمُهْلَةِ ، وشُغِلُوا باتِّباعِ الشَّهَواتِ عن كَلِمَةِ التَّوحيدِ ( حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ ) وهو القُرآنُ ( وَرَسُولٌ مُّبِين ) الرِّسالةِ وَاضِحُهَا بمَا مَعَهُ من المعْجِزَاتِ ، فَكَذَّبُوهُ وسَمّوهُ سَّاحِراً وما جَاءَ بِهِ سِحْراً .
--> ( 1 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 193 . ( 2 ) قاله ابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 11 ص 179 . ( 3 ) معاني الأخبار للصدوق : ص 131 - 132 . ( 4 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 194 ، والماوردي في تفسيره : ج 5 ص 222 .