الشيخ الطبرسي

259

تفسير جوامع الجامع

والفائِدةُ في زيادةِ " مِنْ " في قَولِهِ : ( وَمِنْ بَينِنَا ) أَنَّه لو قَالَ : " وبَينَنا وبينَكَ حِجَابٌ " لكانَ المعنى : أنَّ حِجَاباً حَاصِلٌ وَسطَ الجِهَتَيْنِ ، ومعنى ( مِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ ) : أَنَّ الحِجَابَ ابتدَاءٌ منَّا وابتِدَاءٌ منكَ . فالمَسَافَةُ المتوسطةُ بجهتِكَ وجهتِنَا مستَوعَبَةٌ بالحِجَابِ لا فَرَاغ فيها . وقَولُهُ : ( إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) جَوابٌ لقولِهِم : ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة ) لأنَّ المعنى : إنِّي لَسْتُ بِمَلَك وإنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم وَقَد أُوْحِيَ ( إِلَىَّ ) دُونَكُم ، وإذا صَحَّتْ بالوَحْي نُبوَّتي وَجَبَ عليكُمْ اتِّباعِي ( فَاسْتَقِيمُواْ ) فَاسْتَووا ( إليْهِ ) بالتوحيدِ وإخْلاصِ العبادةِ ( وَاسْتَغْفِرُوهُ ) من الشِّرْكِ . وَخَصَّ من أَوصافِ المشركينَ مَنْعَ الزَّكَاةِ مقْروناً بالكُفْر بالآخرةِ ، لأنَّ أَحَبَّ الأشياءِ إلى الإِنسانِ مالُهُ ، فإذا بَذَلَهُ للهِِ دَلَّ ذلكَ على ثَباتِهِ في الدِّينِ وَصِدْقِ نِيَّتِهِ ، وفيهِ حَثٌّ شَديدٌ على أداءِ الزَّكاةِ ، وتَخْويفُ مَنْ مَنَعَهَا ، حَيثُ جَعَلَهُ مقْروناً بالكُفْرِ بالآخرةِ . ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون ) أي : غَيرُ مقْطُوع بَلْ هو مُتَّصِلٌ دائِمٌ ، أو : هو خَالِصٌ من المنَّة . ( قُلْ أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأْرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَا لِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأْرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ( 11 ) فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَا لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِّثْلَ صَعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ قَالُواْ