الشيخ الطبرسي
216
تفسير جوامع الجامع
( أَفَمَنْ ) عَرفَ اللهُ أَنَّهُ من أهلِ اللُّطْفِ فَلَطُفَ بهِ حتَّى انشَرَحَ صَدرُهُ للإِسلامِ وقَبِلَه كَمَنْ لا لُطفَ بهِ ، فهو حَرجُ الصَّدْرِ قَاسي القَلْب ، ونُورُ اللهِ لُطْفُهُ ، وهو نَظيرُ ( أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ) في حَذْفِ الخبرِ في ذِكْرِ اللهِ ، أي : من أجلِ ذِكْرِ اللهِ ، أي : إذا ذُكِرَ اللهُ وآياتُهُ عندَهُم اشَمَأَزُّوا وازدَادَتْ قلوبُهُم قَسْوةً . ( كِتَباً ) بَدَلٌ من ( أحسَنَ الْحَدِيثِ ) أَو حالٌ منْهُ ، ( مُتَشبِهًا ) هو مطلقٌ في مُشَابَهَةِ بعضِهِ بَعضَاً ، فيتناوَلُ تَشَابُهَ مَعَانيهِ في الصِّحَّةِ والإحكامِ ومنْفَعةِ الأَنَام ، وتَشَابُهَ ألفَاظِهِ في التَّنَاسبِ والتَّناصف في التَّخيّرِ والإِصابةِ وتَجاربِ النَّظْمِ والتَّأليفِ في الإِعْجَازِ ( مَثَانِيَ ) جَمْعُ مَثْنَىً ، بمعنَى المردَّدِ والمكرَّرِ لِمَا ثُنِّيَ من قَصَصِهِ وأحكامِهِ ومواعظِهِ ، وقيلَ : لأنَّهُ مَثْنَىً في التِّلاوةِ فلا يُمَلُ ( 1 ) ، كما جاءَ في وَصْفِهِ : " لا يَتْفَهُ ولا يَتَشَانُّ " ( 2 ) " ولا يَخْلَقُ على كَثْرَةِ الرَّدِّ " ( 3 ) ، وإنَّما وَصَفَ الواحِدَ بالجَمْعِ لأنَّ الكتابَ جملةٌ ذَات تَفَاصِيل ، وَتَفَاصيلُ الشَّيء هي جُملَتُهُ لا غَيْرَ . ويجوزُ أن يكُونَ " المثانِي " مَنْصُوباً على التَّمييزِ من ( مُتَشَبِهاً ) كما تقُولُ : رأيتُ رجُلاً حَسَناً شَمَائلَ ، والمعنى : متشَابِهةً مَثَانِيَةً ، والفائدةُ في التَّكريرِ والتَّثنيةِ أنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عن النَّصيحةِ والمواعظِ ، فَمَا لَمْ يُكرَّرْ عليها عَوْداً بعدَ بدْء لَمْ يَرسَخْ فيها ( تَقْشَعِرُّ ) أي : تَتَقَبَّضُ ( مِنْهُ ) جُلُودُهُم تَقَبُّضاً شَديداً ، يُقَالُ : اقْشَعَرَّ جلدُهُ من الخَوفِ : وَقَفَ شَعْرُهُ ، ومعنَاهُ : أنَّهم إذا سَمِعُوا القُرآنَ وآياتِ الوعيدِ فيهِ أَصَابَتْهُم خشيةٌ شديدةٌ ، ثمَّ إذا ذَكَروا اللهَ ورحمتَهُ وَسِعَةَ مَغْفرتِهِ لاَنَتْ جُلُودُهُم ، وضمَّن
--> ( 1 ) قاله ابن عيسى . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 123 . ( 2 ) وهو من حديث ابن مسعود في وصف القرآن . راجع النهاية لابن الأثير : ج 1 ص 192 مادة " تفه " أي : لا يصير حقيراً ولا ييبس فيغدو عديم الفائدة . ( 3 ) وهو من حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصف كتاب الله المروي في النهج : ص 219 خطبة ( 156 ) ضبط صبحي الصالح .