الشيخ الطبرسي
214
تفسير جوامع الجامع
الْمُسْلِمِينَ ) أي : سابقَهُم ومقَدَّمَهُم في الدُّنيا والآخرةِ ، والمعنى : أنَّ الإِخْلاصَ لَهُ السَّبقَةُ في الدِّينِ ، فَمَنْ أَخْلَصَ كانَ سَابِقاً . وكرَّرَ في قَولِهِ : ( قُل اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ) لأنَّ الأوَّلَ للإِخْبارِ بأنَّهُ مأْمُورٌ بالعبادَةِ والإِخْلاصِ ، والثَّاني : للإِخْبارِ بأنَّهُ يَخُصُّ اللهَ بعبادتِهِ مخْلِصَاً لَه دينَهُ ، ولذلك قَدَّمَ المعبودَ على فِعْلِ العبادةِ وأَخَّرَهُ في الأوَّل ، فالكلامُ أوَّلاً في الفِعْلِ نَفْسِهِ ، وثانياً فيمَنْ يَفْعَلُ الفِعْلَ لأجلِهِ ، ولذلك رَتَّبَ عليهِ قَولَهُ : ( فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِنْ دونه ) ، ( قل إنّ ) الكاملين في الخسران هم ( الذين خسروا أنفسهم ) بأنّ قذفوها في الجحيم ( وَ ) خسروا ( أهليهم ) الذين أعدّوا لهم في جنّة النعيم ، ثُمّ ذكر ان خسرانهم بلغ الغاية في قوله : ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) بأن صدّر الجملة بحرف التنبيه ، ووسّط الفصل بين المبتدأ والخبر ، وعرّف الخسران ووصفه بالمبين . ( لهم مِنْ فَوْقِهمْ ظُلَلٌ ) جَمْعُ ظُلَّة وهي السُّتْرَةُ العاليةُ أَي : أَطْباقٌ من النَّار ( وَمِن تَحْتِهِمْ ) أَطْباقٌ وهي ( ظُلَلٌ ) للآخرينَ ، لأنَّ النَّارَ أَدْرَاكٌ ( ذلِكَ ) الَّذي وُصِفَ من العَذَابِ ( يُخَوِّف اللهُ بِهِ عِبَادَهُ ) ليتَّقُوا عَذَابَهُ بامتثالِ أَوامِرِهِ ( يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ ) فَقَدْ أَلْزَمتكُم الحُجَّة . و ( الْطَّغُوت ) تُطلَقُ علَى الشَّيطانِ والشَّياطينِ لكونِها مصدَراً ، والمُرادُ بها هنا الجَمْعُ ، ( أنْ يَعْبُدُوهَا ) بَدَلٌ من ( الطَّغُوت ) وهو بَدَلُ الاشتِمَالِ ، وأرادَ بعبَادِهِ : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) الَّذِينَ اجتَنَبُوا الطَّاغُوتَ وأَنَابُوا لا غَيرُهُم ، فَوَضَعَ الظَّاهرَ مَوضِعَ المُضْمَر ، أَرادَ : أنَّهُمْ نُقَّادٌ في الدِّينِ ، يُميِّزونَ بين الْحَسَنِ والأحْسَنِ ، وَيَدْخُلُ تحتَهُ المذَاهِبُ واختيارُ أَثْبتِهَا وأَقْواها . التَّقديرُ : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ ) هُ تُخَلِّصُهُ من ( النَّارِ ) فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوضِعَ المُضْمَرِ ، وقيلَ : إنَّ الوَقْفَ على كَلِمة ( العَذَابِ ) أَي : أَفَهُوَ