الشيخ الطبرسي

197

تفسير جوامع الجامع

بَعْدِي ) ، وقيلَ : كانَ مُلْكاً عَظيماً فَخَافَ أن يُعطى غَيرُهُ مثلَهُ فلا يُحافِظُ على حدودِ اللهِ فيه ، كَمَا قَالَتِ الملائكةُ : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) ( 1 ) ( 2 ) . ( رُخَآءً ) أي : لَيِّنَةً طيِّبةً لا تُزَعْزِعُ ( 3 ) ، وقيلَ : مُطِيعةٌ له ( 4 ) ( تَجْرِى ) إلى حيثُ يَشَاءُ ، وقَولُهُ : ( حَيْثُ أَصَابَ ) معناهُ : حيثُ قَصَدَ وأَرادَ . و ( الشَّيَطينَ ) عَطفٌ على ( الرِّيح ) ، و ( كُلَّ بَنَّاء ) بَدَلُ من ( الشَّيطِينَ ) ( وَءَاخَرِينَ ) عَطفٌ على ( كُلّ ) داخِلٌ في حُكْمِ البَدَلِ ، وهو بَدَلُ الكُلِّ من الكُلِّ . كانوا يبنونَ له ما يشَاءُ من الأبنيةِ الرَّفيعةِ ، ويغُوصُونَ له في البحرِ علَى اللاَلئ والجَواهرِ ، فَيستخرجُونَ ما شَاءَ منها ، وهو أوَّلُ من استَخْرَجَ الدُّرَّ من البحرِ ، وكانَ يَقْرنُ مردةَ الشَّياطينِ بعضَهُم مع بعض في القيودِ والأَغْلالِ ، ويَجمعُ بينَ اثنين وثلاثة منْهُم في سلسلة يُؤدِّبُهُم إذا تَمَرَّدوا ، والصَّفْدُ : القَيْدُ ، وَسُمِّيَ بهِ العَطاءُ لأنَّه ارتباطٌ للمُنْعَمِ عليهِ ، وفَرَّقُوا بين الفِعْلَيْن فقالُوا : صَفَدَهُ : قَيَّدَهُ ، وأَصْفَدَهُ : أَعْطَاهُ . هذا الذي أَعْطَينَاكَ من الملْكِ والبَسْطِ ( عَطَآؤُنَا . . . بِغَيْر حِسَاب ) أي : جَمّاً كثيراً لا يَقْدِرُ على حَسْبِهِ وَحَصْرِهِ ، أو : لا يُحَاسِبُ يوم القيامةِ على ما تُعطي وتَمنَعُ ، ( فَامْنُنْ ) فَأعْطِ منه ما شِئْتَ من المنَّةِ وهي العَطَاءُ ( أَوْ أَمْسِكْ ) مُفَوَّضَاً إليك التَّصَرُّف فيه ، أو : فامْنُنْ على مَن شِئْتَ من الشَّياطينَ بالإِطْلاقِ وأَمْسِكْ مَن شِئْتَ منهم في الوثَاقِ ( بِغَيْرِ حِسَاب ) لا حِسَابَ عليكَ في ذلكَ . ( وإنَّ لَهُ عِنْدَنَا ) النَّعمةَ الباقيةَ في الآخرةِ ، وهي الزُّلْفَةُ والقُرْبى وَحُسْنُ المَآبِ .

--> ( 1 ) البقرة : 30 . ( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 95 . ( 3 ) زَعْزَعَ الشيء : إذا حرَّكه ليقلعه . ( لسان العرب : مادة زعع ) . ( 4 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 382 .