الشيخ الطبرسي
18
تفسير جوامع الجامع
بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَمَآ أَنتَ بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِايَتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ( 53 ) ) عَدَّدَ سبحانه الغَرَضَ في إرْسالِ ريَاحِ الرَّحمةِ ، وهو أَن يبشِّر بالغَيْثِ والإِذاقةِ من الرحمةِ - وهي المَطَر - وحُصُولِ الخَصْبِ الَّذي يَتْبعُهُ والرَّوحِ الذي مع هُبُوبِ الريحِ ، وغير ذلك ( وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ ) في البَحرِ عند هُبُوبِهَا ، وإنَّما زَادَ ( بِأمْرِهِ ) لأنَّ الرِّيحَ قد تَهبُّ ولا تَكُونُ مُوافِقَةً ( وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ ) يُريدُ : تجَارةَ البحرِ ولتشكُرُوا نِعْمةَ اللهِ فيهَا ، ويجوزُ أَن يَتَعَلَّقَ ( وَلِيُذِيقَكُمْ ) بمحذُوف تَقديرُهُ : وليُذيقَكُم وليكُونَ كَذا وكَذا أَرسلَهَا ، وأَن يكونَ معطُوفاً على ( مُبَشِّرَات ) كأنَّهُ قَالَ : ليبشِّرَكُم وليُذيقَكُم . وفي قَولِهِ : ( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ) تَعظيمٌ للمؤمنينَ ورَفْعُ شأْنِهِم حيث جَعَلَهُم مستَحقِّينَ لأن يَنْصرَهُم ويُظْهِرَهُم . ( فَيَبْسُطُهُ ) متّصِلا تَارةً ( ويَجْعَلُهُ كِسَفاً ) أي : قِطَعَاً متفرِّقةً تَارةً ( فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ ) في التَّارتَين جَميعَاً ، والمُرادُ ب ( السَّمَآءِ ) : سَمْتُ السَّماءِ كقَولِهِ : ( وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ ) ( 1 ) ، وبإصابةِ العبادِ إصَابةُ أراضِيهِم وبلادِهِم . ( مِنْ قَبْلِهِ ) من بَابِ التَّكرير للتَّوكيدِ كقولِهِ : ( فَكَانَ عَقِبَتُهمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ) ( 2 ) . وقُرِئ : " إلى أَثَرِ " ( 3 ) ، ( إِنَّ ذا لِكَ ) للقَادرِ الَّذي يُحيي النَاسَ من بعدِ مَوتِهِم . ( فَرَأَوْهُ ) أي : فَرَأُوا أَثَرَ رحمةِ اللهِ التي هي الغَيثُ وأَثَرَهُ النَّباتُ ، ومَن قَرأَ بالجَمْعِ فَالضَّميرُ يَرجعُ إلى مَعْناهُ ، لأنَّ معنى آثار الرحمةِ : النَّباتُ ، واسمُ النَّباتِ يَقَعُ علَى
--> ( 1 ) إبراهيم : 24 . ( 2 ) الحشر : 17 . ( 3 ) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم برواية أبي بكر . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 508 .