الشيخ الطبرسي
171
تفسير جوامع الجامع
لمّا لَزِمتْهُ الحجَّةُ ( قَالُوا ابْنُواْ لَهُ بُنْيَناً ) وعن ابنِ عبَّاس : بَنَواْ حَائِطاً من الحجارةِ طولُهُ في السَّماءِ ثلاثُونَ ذراعاً ، وعرضُهُ عشْرونَ ذراعاً ، ومَلَؤُوهُ ناراً وأَلْقَوْه فيها ( فَجَعَلْنَهُمُ الأَسْفَلِينَ ) بأَن أهْلَكْنَاهُم ونجَّينَاهُ وسلَّمْنَاهُ ( 1 ) . ( وَقَالَ ) إبراهِيمُ : ( إنِّى ذَاهِبٌ إلَى رَبِّى ) أي : مُهاجِرٌ إلى حيثُ أَمَرني ربِّي بالمهاجرةِ إليهِ من أَرْضِ الشامِ . أَي ( رَبِّ هَبْ لِي ) بعضَ ( الْصَّلِحِينَ ) يُريدُ الوَلَدَ ، لأنَّ لَفظ " الهبَةِ " علَى الوَلَدِ أَغْلَبُ وإنْ كانَ قَد جاءَ في الأَخ حيث قَالَ : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَرُونَ ) ( 2 ) قال سبحانه : ( وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى ) ( 3 ) ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ) ( 4 ) و ( بَشَّرْنَاهُ بِغُلم حَلِيم ) اشتَمَلَتِ البشارةُ على أنَّ الوَلَدَ ذَكَرٌ ، وأنَّه يبقى حتَّى ينْتَهي في السِّنِّ ويُوصَفُ بالْحِلْمِ ، وأَيُّ حِلْم أَعْظَمُ من حِلْمِهِ حينَ عَرَضَ عليه أَبُوهُ الذَّبْحَ فَقَالَ : ( سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّبِرِينَ ) ثمّ استَسْلَمَ لذلكَ مَعَهُ . بَيانٌ : كأنَّه لمَّا قَالَ : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) أي : الحدَّ الّذي يَقْدِرُ فيهِ علَى السَعْيِ ، قيلَ : مَعَ مَن ؟ قَالَ : مع أبيهِ ، وكانَ إذ ذاكَ ابنُ ثلاثِ عَشْرة سنةً ، أُتِيَ في المَنَامِ فقيلَ لَهُ : اذْبَحْ ابنَكَ ، ورُؤْيا الأنبياءِ وَحْيٌ فَلِهذا قَالَ : ( إنِّى أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) والأَوْلى أن يكوُنَ قَد أُوحِيَ إليهِ في حالِ اليقظةِ ، وتعبَّد بأن يُمْضِيَ ما يُؤْمَرُ بهِ في حالِ النُّومِ ( فانْظُرْ مَاذَا ) تَرَاهُ ، أو : أيَّ شيء تَرى من الرأْي ، فيكونُ ( مَاذَا ) في موضعِ نَصْب بمنزلةِ اسم واحد ، وعلَى الأَوّلِ يكونُ " ذا " بمعنى " الّذي " ، أي : ما الّذي تُبْصِرُهُ مِن رأيكَ ؟ و " مَا " مبتدأٌ ، والموصُولُ مع صِلَتِهِ خَبَرُهُ ،
--> ( 1 ) تفسير ابن عبّاس : ص 377 . ( 2 ) مريم : 53 . ( 3 ) الأنبياء : 90 . ( 4 ) الأنعام : 84 ، الأنبياء : 72 ، العنكبوت : 27 .