الشيخ الطبرسي

132

تفسير جوامع الجامع

ثمَّ مَثَّلَ تَصمِيمَهم علَى الكُفر بأَنْ جَعَلَهم كالمغلُولينَ الْمُقْمَحِينَ ، في أنَّهم لا يَلتفِتُونَ إلى الحقِّ ولا يَعطِفُونَ أعناقَهُم نَحوَهُ ، وكالحَاصلينَ بينَ سَدَّيْن . ( لاَ يُبْصِرُونَ ) ما بينَ أَيْدِيِهمْ وَمَا خَلْفَهُمْ في أَن لا تَأَمُّلَ لَهُم ولا استبصَار ( فَهِيَ إلَى الأذْقَانِ ) مَعناهُ : فالأَغْلالُ وَاصِلةٌ إلى الأذقانِ ، فَلاَ تُخلِّيهِ يُطَأْطِئ رأسَهُ فَلاَ يزال مُقْمَحَاً ، وهو الّذي يرفعُ رأْسَهُ ويَغُضُّ بَصَرَه ، ويقالُ : قَمَحَ البعيرُ : إذا رَفَعَ رأْسَهُ ولَم يَشْربِ الماءَ ، وأَقْمَحْتُها أَنَا ، وَبعيرٌ قَامِحٌ ، وإِبِلٌ قِمَاحٌ ، قالَ الشَاعرُ يَصِفُ سفينةً : ونَحنُ على جَوانِبِها قعُودٌ * نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِمَاحِ ( 1 ) وعن ابن عبّاس : أنَّ المعنيَّ بذلكَ نَاسٌ من قُريش هَمُّوا بقَتْلِ النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فَلَمْ يَستطيعُوا أن يَبسطُوا إليهِ يَدَاً ، وَخَرَجَ إليهِم وَطَرَحَ التُرابَ على رؤوسِهِم وهُم لا يُبصرونَه ( 2 ) . وعلى هذا فَيكُونُ معنى " السَّدَّيْنِ " أنَّهُ جَعَلَهُم لا يُبصِرونَهُ ، ومعنى ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ ) : جَعَلْنا على أَبْصارِهِم غِشَاوةً وحُلْنا ( 3 ) بينَهم وَبينَه . ( إِنَّما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم ( 11 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكُلَّ شَىْء أَحْصَيْنَهُ فِي إِمَام مُّبِين ( 12 ) وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ( 14 ) قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ( 15 ) قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَبِن

--> ( 1 ) البيت منسوب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي . راجع مجاز القرآن : ج 2 ص 175 . ( 2 ) حكاه عنه ابن مردويه كما في الدر المنثور : ج 7 ص 44 . ( 3 ) في نسخة : " وجعلناه " .