الشيخ الطبرسي

11

تفسير جوامع الجامع

وتُسمُّونَ الماهِرَ في صناعَتِهِ مُعاودَاً ، بمعنى : أنَّه عَاوَدَهَا كرَّةً بعد أُخرى حتَّى مرَنَ عليها ، وذَكَّرَ الضَميرَ لأنَّ المُرادَ : وأَن يُعيدَهُ أَهونُ عليه ، وقيلَ : الأَهونُ بمعنَى الهيِّن ( 1 ) ، كقولِ الشَاعرِ : لَعَمْركَ ما أَدْري وإنِّي لاَوجلُ ( 2 ) أي : لَوَجِلٌ ( وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى ) أي : الوَصْفُ الأَعلَى الَّذي ليسَ لغيرِهِ مثلُهُ ، قَد وُصِفَ به ( في الْسَّمواتِ والاَرْضِ ) وهو أنَّه القَادرُ الذي لا يَعجزُ عن شَيء من إنشاء وإعَادة ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) القَاهِرُ ( الْحَكِيمُ ) المُحكِمُ لأفعالِهِ . وعن قَتادةَ : المثلُ الأعلى قولُ : " لا إله إلاَّ الله " وهو الوَصْفُ بالوحدانيَّةِ ( 3 ) . ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلا مِّنْ أنْفُسِكُمْ ) أي : أَخَذَ لكُم مَثَلا وانتَزَعَهُ من أَقْربِ شيء منكُم وهو أنفسكم ، فَ " مِنْ " هنا لابتداءِ الغَايةِ ( هَلْ لَّكُمْ مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ ) أي : هَل تَرضون لأنفسِكُم وعَبيدُكُم أمثالُكُم بَشَرٌ كبشر وعَبيدٌ كعبيد أَن يُشاركُوكُم فيما ( رَزَقْنَكُمْ ) من الأَموالِ تكونُونَ أنتُم وهُم فيه علَى السَّواءِ من غيرِ تَفرقَة بينكُم وبينهُم ، تَهابُونَ أن تَستبدُّوا بالتَصرُّفِ دونَهم كَمَا يَهابُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً من الأحرارِ ، فإذا لَمْ تَرضوا بذلكَ لأنفُسِكُم فكيفَ تَرضونَ لربِّ الأربابِ ومَالكِ الرِّقابِ من العَبيدِ والأحرارِ أَن تَجعلُوا بَعضَ عبيدِهِ لَه شُركَاء ( كَذا لِكَ ) يعني : مثلُ هذا التَفصيلِ ( نُفَصِّلُ الآيَتِ ) أي : نبيِّنُها ، لأنَّ التمثيلَ ممَّا يُوضّح المَعَاني الخَفيَّة ، ويكونُ كالتَشْكيلِ والتَصوير لَهَا . ( بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ) أي :

--> ( 1 ) قاله ابن عباس . راجع التبيان : ج 8 ص 245 . ( 2 ) وعجزه : على أيِّنا تَغدُو المنيّةُ أوّل . والبيت منسوب لمعن بن أوس . وهو واضح المعنى . راجع الحماسة البصرية : ج 2 ص 6 . ( 3 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 10 ص 181 .