الشيخ الطبرسي

406

تفسير جوامع الجامع

أنه سبحانه نفى غفران الشرك أولا وقد حصل الإجماع على أنه سبحانه يغفره بالتوبة ثم أثبت غفران ما دون الشرك من المعاصي ، فينبغي أن يكون المراد غفران من لم يتب منها ليخالف المنفي المثبت ، ثم علق المشية بالمغفور لهم فقال : * ( لمن يشاء ) * أي : يغفر الذنوب التي هي دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له من المذنبين ليكون العبد واقفا بين الخوف والرجاء خارجا عن الإغراء ، إذ الإغراء إنما يحصل بالقطع على الغفران دون الرجاء للغفران المعلق بالمشية . وقال جار الله : إن المنفي والمثبت في الآية موجهان إلى قوله : * ( لمن يشاء ) * والمراد بالأول : من لم يتب ، وبالثاني : من تاب ( 1 ) . وهذا الذي قاله غاية في الفساد والبطلان ، لأنه يكون معنى الآية إذ ذاك أنه سبحانه لا يغفر الشرك لمن يشاء وهو غير التائب ويغفر لمن تاب منه ، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء وهو التائب ولا يغفر لمن لم يتب منه ، فيصير المنفي والمثبت - كما ترى - سواء في الحكم والمعنى ! ! حاشا كلام الله الذي بهر العقول بفصاحته عن مثل هذه النقيصة التي يربأ بكلام كل عاقل عنها ، على أن التوبة إذا حصلت أوجبت عنده إسقاط العقاب فكيف تعلق به ( 2 ) المشية ؟ وهل يستجيز عاقل أن يقول : أنا أقضي الدين إن شئت أو لمن شئت ؟ جل ربنا عن مثله وتقدس ، اللهم لك الحمد على تأييدك وتسديدك * ( ومن يشرك بالله فقد افترى ) * أي : ارتكب * ( إثما عظيما ) * وهو مفتر في زعمه ( 3 ) أن العبادة يستحقها غير الله سبحانه . سورة النساء / 49 - 51 * ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا ( 49 ) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به

--> ( 1 ) الكشاف : ج 1 ص 519 - 520 . ( 2 ) في بعض النسخ : بها . ( 3 ) في بعض النسخ : قوله .