السيد محمد رضا الجلالي

160

جهاد الإمام السجاد ( ع )

ومن المؤسف - حقا - أن مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صارت - في العصر الأموي - مركزا للحياة العابثة ، وكان من المؤمل أن تصبح معهدا للثقافة الدينية ، ومصدرا للإشعاع الفكري والحضاري في العالم الإسلامي ، إلا أن الأمويين سلبوها هذه القابلية ، وأفقدوها مركزيتها الدينية والسياسية ( 1 ) . ولما خرج عروة بن الزبير من المدينة واتخذ قصرا بالعقيق ، وقال له الناس : قد أجفرت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! قال : إني رأيت مساجدهم لاهية ، وأسواقهم لاغية ، والفاحشة في فجاجهم عالية ( 2 ) . وأضاف القرطبي : وكان في ما هناك عما أنتم فيه عافية ( 3 ) . إنه - في مثل هذه الأجواء والظروف - ليس عفويا ، ولا عن غير هدف : أن يظل الإمام زين العابدين عليه السلام في المدينة ، يعظ الناس ويرشدهم ، ويدعوهم إلى نبذ المتع ، ويحذرهم من اللغو واللهو ومن الزينة والتفاخر . فكان عليه السلام يقول : لا قدست أمة فيها البربط ( 4 ) . لقد كان له مجلس في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعظ الناس فيه : قال سعيد بن المسيب : كان علي بن الحسين عليه السلام يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ، ويرغبهم في أعمال الآخرة ، بهذا الكلام ، في كل جمعة ، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحفظ عنه ، وكتب ، كان يقول : أيها الناس ! اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون ، فتجد كل نفس ما عملت - في هذه الدنيا - من خير محضرا وما عملت من سوء ، تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، ويحذركم الله نفسه [ مقتبس من القرآن الكريم . سورة آل عمران ( 3 ) الآية ( 30 ) ] . ويحك ! يا بن آدم الغافل ، وليس بمغفول عنه !

--> ( 1 ) لاحظ حياة الإمام زين العابدين للقرشي ( ص 670 ) واقرأ في الصفحات ( 665 - 71 6 ) أخبارا من ترف الأمويين ، وحياة اللهو والغناء وحفلات الرقص في المدن المقدسة - المدينة ومكة - . ( 2 ) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ( 17 : 23 ) . ( 3 ) جامع بيان العلم ( 2 / ) . ( 4 ) لسان العرب مادة ( بربط ) .