محمد بن جرير الطبري
222
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ذات العماد يعني : الشدة والقوة . وأشبه الأقوال في ذلك بما دل عليه ظاهر التنزيل : قول من قال : عني بذلك أنهم كانوا أهل عمود سيارة ، لان المعروف في كلام العرب من العماد ، ما عمد به الخيام من الخشب ، والسواري التي يحمل عليها البناء ، ولا يعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح ، بل وجه أهل التأويل قوله : ذات العماد إلى أنه عني به طول أجسامهم ، وبعضهم إلى أنه عني به عماد خيامهم ، فأما عماد البنيان ، فلا يعلم كثير أحد من أهل التأويل وجهه إليه ، وتأويل القرآن إنما يوجه إلى الأغلب الأشهر من معانيه ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، دون الأنكر . وقوله : التي لم يخلق مثلها في البلاد يقول جل ثناؤه : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم التي لم يخلق مثلها في البلاد ، يعني : مثل عاد ، والهاء عائدة على عاد . وجائز أن تكون عائدة على إرم ، لما قد بينا قبل أنها قبيلة . وإنما عني بقوله : لم يخلق مثلها في العظم والبطش والأيد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 28772 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : التي لم يخلق مثلها في البلاد : ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولا في السماء . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد ، وقالوا : التي لم يخلق مثلها من صفة ذات العماد ، والهاء التي في مثلها إنما هي من ذكر ذات العماد . ذكر من قال ذلك : 28773 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ، فذكر نحوه . وهذا قول لا وجه له ، لان العماد واحد مذكر ، والتي للأنثى ، ولا يوصف المذكر بالتي ، ولو كان ذلك من صفة العماد لقيل : الذي لم يخلق مثله في البلاد ، وإن جعلت التي لإرم ، وجعلت الهاء عائدة في قوله : مثلها عليها وقيل : هي دمشق أو إسكندرية ، فإن بلاد عاد هي التي وصفها الله في كتابه فقال : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف