محمد بن جرير الطبري
193
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : سنقرئك فلا تنسى قال : كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى . فقال قائلوا هذه المقالة : معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان ، ومعنى الكلام : فلا تنسى ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، ولا تذكره ، قالوا : ذلك هو ما نسخه الله من القرآن ، فرفع حكمه وتلاوته . ذكر من قال ذلك : 28645 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة سنقرئك فلا تنسى كان ( ص ) لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله . وقال آخرون : معنى النسيان في هذا الموضع : الترك وقالوا : معنى الكلام : سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشئ منه ، إلا ما شاء الله أن تترك العمل به ، مما ننسخه . وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك : لم يشأ الله أن تنسى شيئا ، وهو كقوله : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ولا يشاء . قال : وأنت قائل في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية أن لا تمنعه ، ولا تشاء شيئا . قال : وعلى هذا مجاري الايمان ، يستثنى فيها ، ونية الحالف : اللمام . والقول الذي هو أولى بالصواب عندي ، قول من قال : معنى ذلك : فلا تنسى إلا أن نشاء نحن أن ننسيكه بنسخه ورفعه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لان ذلك أظهر معانيه . وقوله : إنه يعلم الجهر وما يخفى يقول تعالى ذكره : إن الله يعلم الجهر يا محمد من عملك ، ما أظهرته وأعلنته وما يخفى يقول : وما يخفى منه فلم تظهره ، مما كتمته ، يقول : هو يعلم جميع أعمالك ، سرها وعلانيتها يقول : فاحذره أن يطلع عليك وأنت عامل في حال من أحوالك بغير الذي أذن لك به . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيا ) * . يقول تعالى ذكره : ونسهلك يا محمد لعمل الخير ، وهو اليسرى واليسرى : هو الفعلي من اليسر .