محمد بن جرير الطبري
173
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بطاعة الله ، وأتمروا لامره ، وانتهوا عما نهاهم عنه لهم جنات تجري من تحتها الأنهار يقول : لهم في الآخرة عند الله بساتين تجري من تحتها الأنهار والخمر واللبن والعسل ذلك الفوز الكبير يقول : هذا الذي هو لهؤلاء المؤمنين في الآخرة ، هو الظفر الكبير بما طلبوا والتمسوا بإيمانهم بالله في الدنيا ، وعملهم بما أمرهم الله به فيها ورضيه منهم . وقوله : إن بطش ربك لشديد يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : إن بطش ربك يا محمد لمن بطش به من خلقه ، وهو انتقامه ممن انتقم منه لشديد ، وهو تحذير من الله لقوم رسوله محمد ( ص ) ، أن يحل بهم من عذابه ونقمته ، نظير الذي حل بأصحاب الأخدود على كفرهم به ، وتكذيبهم رسوله ، وفتنتهم المؤمنين والمؤمنات منهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد * هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود ) * . اختلف أهل التأويل في معنى قوله : إنه هو يبدئ ويعيد فقال بعضهم : معنى ذلك : إن الله أبدى خلقه ، فهو يبتدئ ، بمعنى : يحدث خلقه ابتداء ، ثم يميتهم ، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم ، كهيئتهم . قبل مماتهم . ذكر من قال ذلك : 28562 - حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يبدئ ويعيد يعني : الخلق . 28563 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يبدئ ويعيد قال : يبدئ الخلق حين خلقه ، ويعيده يوم القيامة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه هو يبدئ العذاب ويعيده . ذكر من قال ذلك : 28564 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس إنه هو يبدئ ويعيد قال : يبدئ العذاب ويعيده . وأولي التأويلين في ذلك عندي بالصواب ، وأشبههما بظاهر ما دل عليه التنزيل ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ، وهو أنه يبدئ العذاب لأهل الكفر به ويعيد ، كما قال جل ثناؤه : فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق في الدنيا ، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا ، وهو يعيده لهم في الآخرة .