محمد بن جرير الطبري

41

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يعني : على غضب . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يتأول ذلك : وغدوا على منع . ويوجهه إلى أنه من قولهم : حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر ، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن ، كما قال الشاعر : فإذا ما حاردت أو بكأت * فت عن حاجب أخرى طينها وهذا قول لا نعلم له قائلا من متقدمي العلم قاله وإن كان له وجه ، فإذا كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز عندنا أن يتعدى ما أجمعت عليه الحجة ، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان المعروف من معنى الحرد في كلام العرب القصد من قولهم : قد حرد فلان حرد فلان : إذا قصد قصده ومنه قول الراجز : وجاء سيل كان من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغله يعني : يقصد قصدها ، صح أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال : معنى قوله وغدوا على حرد قادرين وغدوا على أمر قد قصدوه واعتمدوه ، واستسروه بينهم ، قادرين عليه في أنفسهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فلما رأوها قالوا إنا لضالون * بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) * . يقول تعالى ذكره : فلما صار هؤلاء القوم إلى جنتهم ، ورأوها محترقا حرثها ، أنكروها وشكوا فيها ، هل هي جنتهم أم لا ؟ فقال بعضهم لأصحابه ظنا منه أنهم قد أغفلوا طريق جنتهم ، وأن التي رأوا غيرها : إنا أيها القوم لضالون طريق جنتنا ، فقال من علم أنها جنتهم ، وأنهم لم يخطئوا الطريق : بل نحن أيها القوم محرومون ، حرمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 26861 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فلما رأوها قالوا إنا لضالون : أي أضللنا الطريق ، بل نحن محرومون ، بل جوزينا فحرمنا .