محمد بن جرير الطبري

299

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قراء الأمصار ، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال ، بمعنى أن المتصدقين والمتصدقات ، ثم تدغم التاء في الصاد ، فتجعلها صادا مشددة ، كما قيل : يا أيها المزمل يعني المتزمل . وقرأ ابن كثير وعاصم إن المصدقين والمصدقات بتخفيف الصاد وتشديد الدال ، بمعنى : إن الذين صدقوا الله ورسوله . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان صحيح معنى كل واحدة منهما فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين : أعني في الصاد والدال ، أن المتصدقين من أموالهم والمتصدقات وأقرضوا لله قرضا حسنا يعني بالنفقة في سبيله ، وفيما أمر بالنفقة فيه ، أو فيما ندب إليه يضاعف لهم ولهم أجر كريم يقول : يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه ، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة ، ولهم أجر كريم يقول : ولهم ثواب من الله على صدقهم ، وقروضهم إياه كريم ، وذلك الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) * . يقول تعالى ذكره : والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله ، فصدقوا الرسل وآمنوا بما جاؤوهم به من عند ربهم ، أولئك هم الصديقون . وقوله : والشهداء عند ربهم اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : والشهداء عند ربهم منفصل من الذي قبله ، والخبر عن الذين آمنوا بالله ورسله ، متناه عند قوله : الصديقون ، والصديقون مرفوعون بقوله : هم ، ثم ابتدئ الخبر عن الشهداء فقيل : والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ، والشهداء في قولهم مرفوعون بقوله : لهم أجرهم ونورهم . ذكر من قال ذلك : 26053 - [ رق حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قوله : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون قال : هذه مفصولة والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم .