محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : أولئك في ضلال مبين يقول : هؤلاء الذين لم يجيبوا داعي الله فيصدقوا به ، وبما دعاهم إليه من توحيد الله ، والعمل بطاعته في جور عن قصد السبيل ، وأخذ على غير استقامة ، مبين : يقول : يبين لمن تأمله أنه ضلال ، وأخذ على غير قصد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير ) * . يقول تعالى ذكره : أو لم ينظر هؤلاء المنكرون إحياء الله خلقه من بعد وفاتهم ، وبعثه إياهم من قبورهم بعد بلائهم ، القائلون لآبائهم وأمهاتهم أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي فلم يبعثوا بأبصار قلوبهم ، فيروا ويعلموا أن الله الذي خلق السماوات السبع والأرض ، فابتدعهن من غير شئ ، ولم يعي بإنشائهن ، فيعجز عن اختراعهن وإحداثهن بقادر على أن يحيي الموتى فيخرجهم من بعد بلائهم في قبورهم أحياء كهيئتهم قبل وفاتهم . واختلف أهل العربية في وجه دخول الباء في قوله : بقادر فقال بعض نحويي البصرة : هذه الباء كالباء في قوله : كفى بالله وهو مثل تنبت بالدهن وقال بعض نحويي الكوفة : دخلت هذه الباء للم قال : والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها ، وتدخلها إذا وقع عليها فعل يحتاج إلى اسمين مثل قولك : ما أظنك بقائم ، وما أظن أنك بقائم ، وما كنت بقائم ، فإذا خلعت الباء نصبت الذي كانت تعمل فيه ، بما تعمل فيه من الفعل ، قال : ولو ألقيت الباء من قادر في هذا الموضع رفع ، لأنه خبر لان ، قال : وأنشدني بعضهم : فما رجعت بخائبة ركاب * حكيم بن المسيب منتهاها