محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الكتاب ، ينبغي أن يكون تأويل الكلام ، وهذا كتاب بلسان عربي مصدق التوراة كتاب موسى ، بأن محمدا لله رسول ، وأن ما جاء به من عند الله حق . وأما القول الثاني الذي حكيناه عن بعضهم ، أنه جعل الناصب للسان مصدق ، فقول لا معنى له ، لان ذلك يصير إذا يؤول كذلك إلى أن الذي يصدق القرآن نفسه ، ولا معنى لان يقال : وهذا كتاب يصدق نفسه ، لان اللسان العربي هو هذا الكتاب ، إلا أن يجعل اللسان العربي محمدا عليه الصلاة والسلام ، ويوجه تأويله إلى : وهذا كتاب وهو القرآن يصدق محمدا ، وهو اللسان العربي ، فيكون ذلك وجها من التأويل . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله : لسانا عربيا من نعت الكتاب ، وإنما نصب لأنه أريد به : وهذا كتاب يصدق التوراة والإنجيل لسانا عربيا ، فخرج لسانا عربيا من يصدق ، لأنه فعل ، كما تقول : مررت برجل يقوم محسنا ، ومررت برجل قائم محسنا ، قال : ولو رفع لسان عربي جاز على النعت للكتاب . وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود وهذا كتاب مصدق لما بين يديه لسانا عربيا فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله : لسانا عربيا من وجهين : أحدهما على ما بينت من أن يكون اللسان خارجا من قوله مصدق والآخر : أن يكون قطعا من الهاء التي في بين يديه . والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوبا على أنه حال مما في مصدق من ذكر الكتاب ، لان قوله : مصدق فعل ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك : وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمدا نبي مرسل لسانا عربيا . وقوله : لينذر الذين ظلموا يقول : لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره . وقوله : وبشرى للمحسنين يقول : وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم إياه في الدنيا ، فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه . وفي قوله : وبشرى وجهان من الاعراب : الرفع على العطف على الكتاب بمعنى : وهذا كتاب مصدق وبشرى للمحسنين . والنصب على معنى : لينذر الذين ظلموا ويبشر ، فإذا جعل مكان يبشر وبشرى أو وبشارة ، نصبت كما تقول أتيتك لأزورك وكرامة لك ، وقضاء لحقك ، بمعنى لأزورك وأكرمك ، وأقضي حقك ، فتنصب الكرامة والقضاء بمعنى مضمر .