محمد بن جرير الطبري

37

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

. وقوله : ويمح الله الباطل في موضع رفع بالابتداء ، ولكنه حذفت منه الواو في المصحف ، كما حذفت من قوله : سندع الزبانية ومن قوله : ويدع الانسان بالشر وليس بجزم على العطف على يختم . وقوله : إنه عليم بذات الصدور يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما في صدور خلقه ، وما تنطوي عليه ضمائرهم ، لا يخفى عليه من أمورهم شئ ، يقول لنبيه ( ص ) : لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا ، لطبعت على قلبك ، وأذهبت الذي آتيتك من وحيي ، لأني أمحو الباطل فأذهبه وأحق الحق ، وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به ، الزاعمين أن محمدا افترى هذا القرآن من قبل نفسه ، فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) * . يقول تعالى ذكره : والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره ويعفوا عن السيئات يقول : ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال ، وهي معاصيه التي تاب منها ويعلم ما تفعلون اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة يفعلون بالياء ، بمعنى : ويعلم ما يفعل عباده ، وقرأته عامة قراء الكوفة تفعلون بالتاء على وجه الخطاب . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن الياء أعجب إلي ، لان الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر ، وذلك قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعني جل ثناؤه بقوله : ويعلم ما تفعلون ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر ، لا يخفى عليه من ذلك شئ ، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه ، فاتقوا الله في أنفسكم ، واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة .