محمد بن جرير الطبري
96
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
دينهم ، وما ألزمناهم من فرائضها ، وذكرى لأولي الألباب يقول : وتذكيرا منا لأهل الحجا والعقول منهم بها . وقوله : فاصبر إن وعد الله حق يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : فاصبر يا محمد لأمر ربك ، وانفذ لما أرسلك به من الرسالة ، وبلغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك ، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك ، ونصرة من صدقك وآمن بك ، على من كذبك ، وأنكر ما جئته به من عند ربك ، وإن وعد الله حق لا خلف له وهو منجز له واستغفر لذنبك يقول : وسله غفران ذنوبك وعفوه لك عنه وسبح بحمد ربك يقول : وصل بالشكر منك لربك بالعشي وذلك من زوال الشمس إلى الليل والابكار وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس . وقد وجه قوم الابكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى ، وخروج وقت الضحى ، والمعروف عند العرب القول الأول . واختلف أهل العربية في وجه عطف الابكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشي ، والباء تحسن فيه ، فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : وسبح بحمد ربك بالعشي وفي الابكار . وقال : قد يقال : بالدار زيد ، يراد : في الدار زيد ، وقال غيره : إنما قيل ذلك كذلك ، لان معنى الكلام : صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين ، فإدخال الباء في واحد فيهما . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ) * . يقول تعالى ذكره : إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير سلطان أتاهم يقول : بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها إن في صدورهم إلا كبر يقول : ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك ، وقبول الحق الذي أتيتهم به حسدا منهم على الفضل الذي آتاك الله ، والكرامة التي أكرمك بها من النبوة ما هم ببالغيه يقول : الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بمدركيه ولا نائليه ، لان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وليس بالأمر الذي يدرك بالأماني وقد قيل : إن معناه : إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لان الله مذلهم . ذكر من قال ذلك :