محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقد بينا معنى الاسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع . وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا ، لان قائل هذا القول لفرعون وقومه ، إنما قصد فرعون به لكفره ، وما كان هم به من قتل موسى ، وكان فرعون عاليا عاتيا في كفره سفاكا للدماء التي كان محرما عليه سفكها ، وكل ذلك من الاسراف ، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ) * . يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه : فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم ، ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول ، وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار ، كما : 23420 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فستذكرون ما أقول لكم ، فقلت له : أو ذلك في الآخرة ؟ قال : نعم . وقوله : وأفوض أمري إلى الله يقول : وأسلم أمري إلى الله ، وأجعله إليه وأتوكل عليه ، فإنه الكافي من توكل عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23421 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وأفوض أمري إلى الله قال : أجعل أمري إلى الله . وقوله : إن الله بصير بالعباد يقول : إن الله عالم بأمور عباده ، ومن المطيع منهم ، والعاصي له ، والمستحق جميل الثواب ، والمستوجب سيئ العقاب . وقوله : فوقاه الله سيئات ما مكروا يقول تعالى ذكره : فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى ، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء ، فنجاه منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23422 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : سيئات ما مكروا قال : وكان قبطيا من قوم فرعون ، فنجا مع موسى ، قال : وذكر لنا أنه بين يدي