محمد بن جرير الطبري
81
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقوله : كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار يقول : كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده ، ويصدق رسله . جبار : يعني متعظم عن اتباع الحق . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار ، خلا أبي عمرو بن العلاء ، على : كل قلب متكبر بإضافة القلب إلى المتكبر ، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها ومن كان ذلك قراءته ، كان قوله جبار . من نعت متكبر . وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار . 23399 حدثني بذلك ابن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود . وهذا الذي ذكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر ، لان تقديم كل قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى ، بل معنى ذلك في الحالتين واحد . وقد حكي عن بعض العرب سماعا : هو يرجل شعره يوم كل جمعة ، يعني : كل يوم جمعة . وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر ، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر ، لان التكبر فعل الفاعل بقلبه ، كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده ، فإن الفعل مضاف إليه ، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر . وإن كان بها التكبر ، فإن الفعل إلى فاعله مضاف ، نظير الذي قلنا في القتل ، وذلك وإن كان كما قلنا ، فإن الأخرى غير مدفوعة ، لان العرب لا تمنع أن تقول : بطشت يد فلان ، ورأت عيناه كذا ، وفهم قلبه ، فتضيف الأفعال إلى الجوارح ، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ) * .